ومن يزرعِ الأشجارَ يجنِ ثمارَها
ومن يغرسِ الأفكارَ يحصدُ ولايا.
لا أعرف بيتًا يلخص فلسفة البناء المؤسسي كما يفعل هذا البيت؛ فالأشجار لا تمنح ثمارها في يوم، وكذلك الأفكار؛ فهي تحتاج إلى من يغرسها، ويؤمن بها، ويرعاها، ويصبر عليها، حتى تتحول من مبادرة عابرة إلى ثقافة راسخة، ومن جهد فردي إلى إرث مؤسسي يبقى أثره بعد صاحبه.
وفي عالم المؤسسات، لا تُقاس القيادات بعدد القرارات التي تصدرها، ولا بحجم الأعمال التي تنجزها، وإنما بما تزرعه من أفكار قادرة على الاستمرار. فالقرار ينتهي بانتهاء ظرفه، أما الفكرة فإنها تواصل حياتها، وتتجدد مع كل من يؤمن بها ويعمل على ترسيخها، حتى تصبح جزءًا من هوية المؤسسة وذاكرتها.
ولعل أجمل الأفكار هي تلك التي لا تولد كبيرة، بل تبدأ هادئة وبسيطة، حتى يظنها البعض إجراءً عاديًا، ثم يكشف الزمن أنها كانت بداية تحول حقيقي. فالأثر لا تصنعه الضجة، وإنما تصنعه الأفكار التي تتحول إلى ممارسة، ثم إلى ثقافة، ثم إلى قيمة راسخة.
ولعل قيمة الأفكار المؤسسية أنها لا تبقى حبيسة التنظير، وإنما تتجسد في مبادرات عملية تعكس رؤية من يقود المؤسسة. ومن هذا المنظور، جاءت مبادرة توثيق عضوية كتّاب الرأي التي أطلقها رئيس تحرير صحيفة مكة ، المبدع الأستاذ عبدالله بن أحمد الزهراني، لتقدم نموذجًا إداريًا يتجاوز الإجراء التنظيمي إلى بناء قيمة مؤسسية رفيعة. فقد انطلقت من رؤية تؤمن بأن الكاتب ليس مجرد صاحب مقال، بل شريك في بناء هوية الصحيفة، وصناعة رسالتها الثقافية والإعلامية.
وهذه الرؤية هي التي منحت المبادرة معناها الحقيقي؛ فهي لم تكتفِ بتوثيق عضوية الكاتب، بل وثّقت مكانته، وأكدت أن العطاء الفكري يستحق الاعتراف والتقدير، وأن الانتماء للمؤسسة لا يقوم على النشر وحده، بل على علاقة متبادلة من الثقة والاحترام والوفاء.
إن الاعتراف بالكاتب، وتقدير عطائه، وتعزيز انتمائه للمؤسسة، ليس ترفًا إداريًا ولا لفتة بروتوكولية، بل استثمار بعيد المدى في الإنسان؛ لأن المؤسسات المتميزة تدرك أن رأس مالها الحقيقي ليس المباني ولا الأنظمة، وإنما العقول التي تمنحها الحياة، والأقلام التي تصوغ رسالتها، والطاقات التي تؤمن بمشروعها.
وحين تتحول هذه القناعة إلى ممارسة مؤسسية، فإنها تخلق بيئة يشعر فيها الكاتب بأن جهده محفوظ، وحضوره مقدّر، وأن انتماءه ليس علاقة عابرة تنتهي بنشر مقال، بل شراكة تقوم على الاحترام المتبادل، والإيمان بأن الكلمة مسؤولية مشتركة، وأن نجاح المؤسسة هو ثمرة نجاح جميع شركائها.
ومن هنا، فإن قيمة هذه المبادرة لا تكمن في وثيقة العضوية ذاتها، بل فيما ترمز إليه من معنى. فهي رسالة تقول إن المؤسسات الناجحة لا تنتظر الإنجازات الكبرى لتثبت احترامها لمنسوبيها وشركائها، بل تبدأ بالأفكار الصغيرة التي تلامس الإنسان مباشرة؛ لأن هذه الأفكار هي التي تصنع مع الزمن ثقافة المؤسسة، وتمنحها شخصيتها المميزة.
ولعل أجمل ما في هذه المبادرة أن أثرها لا يقف عند الكاتب وحده، بل يمتد إلى الصحيفة وقرائها معًا. فهي تمنح الكاتب شعورًا بأن جهده الفكري محل تقدير، وأن انتماءه للمؤسسة يتجاوز حدود النشر إلى شراكة حقيقية قائمة على الاحترام والثقة، وهو ما ينعكس إيجابًا على جودة عطائه واستمراريته. وفي المقابل، تكسب الصحيفة أقلامًا أكثر ارتباطًا برسالتها، وتبني علاقة مؤسسية قائمة على الوفاء المتبادل، لا على التعامل العابر. أما القارئ، فهو المستفيد الأكبر من هذه المنظومة؛ إذ يطالع محتوى يصنعه كُتّاب يشعرون بالانتماء والمسؤولية، فتزداد ثقته بالصحيفة، وتتعمق مكانتها بوصفها مؤسسة لا تكتفي بنشر الكلمة، بل تحسن أيضًا رعاية أصحابها وتقديرهم.
ولا شك أن تبني مثل هذه المبادرات يعكس فكرًا إداريًا واعيًا، وهو ما تجسد في رؤية الأستاذ عبدالله بن أحمد الزهراني، الذي أدرك أن البناء الحقيقي يبدأ من الإنسان قبل الأنظمة، ومن الانتماء قبل الإنجاز، وأن الاستثمار في العلاقات المهنية القائمة على التقدير والثقة لا يقل أهمية عن الاستثمار في التقنية أو التطوير الإداري. فمثل هذه الرؤى هي التي تصنع الفارق بين مؤسسة تدير أعمالها، وأخرى تبني إرثها.
ولذلك، فإن مبادرة توثيق عضوية كتّاب الرأي تتجاوز حدود صحيفة مكة الإلكترونية؛ لأنها تقدم نموذجًا يستحق التأمل، وربما الاحتذاء، في كل مؤسسة تؤمن بأن التميز لا يتحقق بالإنجازات الآنية وحدها، بل بغرس الأفكار التي تستمر في العطاء، وتترك أثرًا يتجاوز أصحابها.
ولعل هذا هو المعنى الذي يلخصه البيت الذي استهللت به المقال؛ فغرس الأشجار يمنح الناس ثمارًا، أما غرس الأفكار فيمنح المؤسسات عمرًا أطول وأثرًا أبقى. ولذلك يبقى غرس الأفكار هو الاستثمار الأبقى، ويبقى حصاد الأثر أعظم ما يمكن أن تتركه القيادات للمؤسسات التي تخدمها.





