المقالات

“ما أدري”… “ما أتذكر”… “مالي دخل فيهم، وبكيفهم”…!!

عبارات تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها كثيراً ما تتحول إلى ستار يحجب الحقيقة، وجسر تعبُر عليه المظالم إلى أصحابها، وبوابة يفلت منها الظالم من تبعات ما اقترفت يداه أو نطق به لسانه.

فكم من خصومة وقعت أمام أعين الناس، سُمع فيها القذف وفحش القول أو الاتهام أو التهديد أو الاعتداء … وشاهدها الحاضرون لحظة بلحظة، ثم ما إن يصل الأمر إلى جهة الاختصاص أو إلى القضاء حتى تخفت الأصوات، وتغيب الذاكرة فجأة، ويصبح بعض الشهود الذين كانوا يتحدثون عن تفاصيل الواقعة بدقة لافتة لا يدرون ولا يتذكرون شيئاً.
وكم من أموال سُلّمت بحضور الآخرين، أو حقوق ثبتت بشهادة من شهدوا الواقعة، ثم جاء وقت بيان الحقيقة فاستيقظ النسيان في غير أوانه، واختبأت الشهادة خلف كلمات مقتضبة باردة: “لا أدري”، أو “نسيت”، أو “ما كنت منتبهاً”.
والأشد من ذلك حين لا يكون الدافع نسياناً ولا جهلاً، بل لامبالاة مقنّعة بعبارة يرددها البعض وكأنها تعفيهم من المسؤولية: “مالي دخل فيهم، وبكيفهم”. وكأن الحق شأن خاص بأصحابه وحدهم، أو كأن الظلم لا يعني إلا من وقع عليه!
فهذه العبارة قد تبدو ابتعاداً عن المشكلات، لكنها في كثير من الأحيان ليست إلا انسحاباً من أداء الأمانة، وتخلياً عن واجب أخلاقي وإنساني عظيم. فحين يكون الإنسان قد رأى الواقعة بعينه أو سمعها بأذنه، فإنه لم يعد خارج المشهد كما يظن، بل أصبح مؤتمناً على جزء من الحقيقة، ومسؤولاً أمام الله وأمام ضميره عن أدائها كما هي.
ولذلك لم يجعل الإسلام الشهادة حقاً للشاهد يتصرف فيه كيف يشاء، بل جعلها أمانة يجب أداؤها، وحذّر من كتمانها أشد التحذير، فقال عزّ وجلّ: (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه). حيث نُسب الإثم إلى القلب ، لأن القضية ليست مجرد امتناع عن الكلام، بل خلل في الضمير واختلال في ميزان العدل والإنصاف.
إن الظالم لا ينتصر دائماً بقوته، بل ينتصر أحياناً بصمت من عرفوا الحقيقة وآثروا السلامة على الأمانة. وكم من الحقوق التي لم تضعْ لأن أصحابها عاجزون عن إثباتها، بل لأن من يملكون مفاتيح الحقيقة أحجموا عن قولها، أو خافوا على مصالحهم وعلاقاتهم، أو أقنعوا أنفسهم بأن الأمر لا يعنيهم.
وهكذا يتحول الشاهد من حيث لا يشعر إلى شريك في ضياع الحق، لا لأنه مارس الظلم، بل لأنه ترك الحقيقة وحيدة في مواجهة الباطل. فالعدالة لا تقوم على القضاة والأنظمة وحدها، وإنما تقوم قبل ذلك على ضمائر حية تؤدي ما عليها من أمانة دون زيادة أو نقصان، ودون خوف أو مجاملة.
وحين تغيب الشهادة الصادقة تنقلب الموازين حتماً فيُتهم البريء، ويُصدق المعتدي، ويجد المظلوم نفسه عاجزاً عن إثبات ما يعرفه من كان حاضراً. وعندها لا يخسر فرد حقه فحسب، بل يخسر المجتمع شيئاً من ثقته بالعدل وتضعف فيه قيمة الأمانة.
إن كلمة حق واحدة قد ترد مظلمة، وتحفظ مالاً، وتصون عرضًا وتنقذ إنساناً من عقوبة لا يستحقها. كما أن كلمة صمت في غير موضعها قد تفتح أبواباً واسعة للظلم!
ومن يستدعى يوماً ليشهد على أمر علمه يقيناً، فمن الواجب ألّا يجعل علاقته بالأشخاص مقدمة على علاقته بالحق، ولا يجعل الراحة المؤقتة أثمن من أمانة سيُسأل عنها بين يدي الله. وليتذكر دائماً أن الحقيقة لا تحتاج إلى من يزيّنها، بل إلى من يقولها كما هي.
أما «ما أدري» حين تُقال فراراً من الحقيقة، و«مالي دخل فيهم» حين تُقال تبرؤاً من المسؤولية، فليستا مجرد عبارتين عابرتين، بل قد تكونان سبباً في ضياع حق وانتصار ظالم وتأنيب ضمير، وسؤال ينتظر صاحبه يوم لا تنفع المجاملة ولا يجدي الصمت.
“يوم لا ينفع مال ولا بنون  إلا من أتى الله بقلب سليم”.

عبدالناصر علي الكرت

تربوي - كاتب صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى