تأتي المجموعة القصصية “ظلال” للدكتورة سونيا أحمد مالكي، كما يظهر في غلاف الكتاب وملامحه ، بوصفها مغامرة سردية تغوص في سراديب النفس البشرية، متخذةً من القصة والقصة القصيرة جدًا _المكثفة_ مبضعًا جراحيًا لتشريح الواقع، ورصد التحولات النفسية والاجتماعية عبر ومضات خاطفة مفعمة بالدهشة.
يتجلى على الغلاف مشهد لشاطئ بحر تترامى عليه حركة أمواج متلاحقة، وتتحرك فوق رماله شخوص تترك خلفها ظلالاً طويلة ممتدة. هذا التلاحم البصري بين البحر (بما يحمله من عمق وغموض وتقلب) وبين “الظلال” التي تخلفها الأجساد، يضع القارئ أمام عتبة دلالية واضحة؛ فالقصص هنا ليست رصدًا لحياة الشخوص في العلن، بل هي تتبعٌ لـ “ظلالهم” النفسية، وخباياهم التي يخشون إظهارها، وانكساراتهم خلف جدران الصمت المطبق.
تعتمد الدكتورة سونيا مالكي في نسيجها السردي على التقشف اللفظي المقترن بالاتساع الدلالي. تظهر العناوين الفهرسية للمجموعة كضربات فرشاة سريعة وصادمة بمفردة واحدة غالبًا، تليها علامة تعجب تحفز الترقب: (أصوات!، الباب المغلق!، تحوّل!، عَمَشْ!، رياضة!، سراب!). هذا البناء الفهرسي يعكس وعيًا تامًا بجماليات القصة القصيرة التي لا تحتمل الترهل.
وفي جولة بين ثنايا هذه النصوص، نلمح نماذج لافتة تجسد هذه الفلسفة:
قصة “تحوّل!”:
تبدأ اللقطة بحدث رمزي غاية في الشفافية والعمق؛ البطل (دانيال) يضغط على ورقة شجر جافة على قارعة الطريق، متلذذًا بصوت طقطقتها وهي تتطاير في الهواء لتعلن نهاية ارتباطه بالفتاة الهوجاء (جويل). النص هنا يعزف على وتر التحرر وموت المشاعر، حيث تنتهي هذه العلاقة المحملة بالشتائم ونوبات الغضب بعبارة داخلية حاسمة تصف التلاشي: “لم تعد تعني لي شيئًا”. إنها قصة تختزل زمنًا طويلاً من المعاناة الإنسانية في ومضة بصرية وحسية خاطفة.
قصة “الباب المغلق!” :
هنا يتجلى الصراع الجيلي والاجتماعي بين الأب (مصطفى) وابنته الثلاثينية (ليلى) في ليلة شتاء قارسة. يعالج النص تيمة التمرد واثبات الذات؛ الأب يهدد ويقسم بأغلظ الأيمان ألا تعود إن خرجت، بينما تصر هي على حريتها صارخةً: “لم أعد طفلة، إنني فتاة ناضجة وحرة، قراراتي بيدي”. المفارقة الإنسانية المؤثرة تأتي في القفلة؛ فحين تعود ليلى وتغلق الباب بقوة تنهار خلفه في نوبة نحيب عارمة تبلل وسادتها قبل النوم. إنها تجسد ثمن الحرية الباهظ والاغتراب داخل الجدران المشتركة.
قصة “أصوات!” :
يطالعنا البعد النفسي والسلوكي في قصة “حسام” الشاب النشيط الذي يعيش في غرفة فوق السطوح ويساعد سكان العمارة، لكنه يقع في فخ لصوصية المعرفة؛ إذ يستغل دخوله المتكرر لشقة عجوز كرس حياته لكتابة الروايات ويمتلك مكتبة ضخمة، ليسرق في كل مرة كتابًا ويخبئه في سلته. المفارقة تكمن في تراكم الكتب لديه (تسعون كتابًا خلال شهر) دون أن يسعفه الوقت لقراءتها، لتبدأ الليلة في مطاردته بأصوات صراخ وأحاديث تتزاحم في رأسه كلما آوى إلى فراشه. النص هنا يرمز إلى وطأة الذنب، وتحول المعرفة المسروقة إلى كابوس يقضّ المضاجع.
قصة “عَمَشْ!” :
ينتقل السرد إلى منطقة الفانتازيا السوداوية أو الواقعية الغرائبية الصادمة؛ حيث تعثر الشرطة على رجل في حفرة ضيقة يعيش مع زوجته (سعدية) في منزل متداعٍ، ويمضيان حياتهما في رعاية قبيلة من القطط التي يقودها القط الأسود “باجيرو”. تبلغ القفلة ذروة الرعب الفني حين تصبح سعدية عاجزة عن المشي، وتبدأ القطط بنهش رجل زوجها دون أن تتنبه، لتنتهي الليلة بصدامها مع القط الأسود واستيقاظ بقية القطط مهاجمةً إياها. النص يحمل إسقاطات كثيفة حول انعكاسات العزلة، والشرور التي تنمو في العتمة عندما تطغى الغريزة على المشاعر الأليفة.
الإيجاز الخاطف في “رياضة!” و”سراب!”
تصل الكاتبة إلى ذروة التكثيف القصصي (القصة الومضة) في هذين النصين؛ ففي “رياضة!” نقرأ: “اعتادت أن تقضي جُلّ يومها في النادي لتحرق دهون جسدها المكتنز.. احترق بيتها”. وفي “سراب!”: “تمشي الهوينا، تتخيل فارس أحلامها. وقعت على رأسها في هوّة عميقة”. هنا تبدو القفلة صدمة غير متوقعة للمتلقي، مفارقة تسخر من المفاهيم الظاهرية للحياة؛ فالانشغال بالهامشي والشكلي (حرق الدهون/ تخيل الفارس) يعمى الأبصار عن الكوارث الحقيقية المحدقة بالذات (احتراق البيت/ السقوط في الهوة).
الرؤية الجمالية والأسلوب
تتحرك لغة الدكتورة سونيا في هذه المجموعة بين الوصف الحسي المباشر وبين الرمزية الشفافة. الشخوص في نصوصها يبدون وكأنهم يتحركون دائمًا تحت وطأة قدرٍ ما، أو في مواجهة قرارات مصيرية تتأرجح بين الغضب، الندم، والتلاشي. إن اختيارها للنهايات المباغتة (أو قفلات المفارقة) يمنح النصوص حيوية ويجعل من القراءة فعلاً تشاركيًا، حيث يضطر القارئ إلى ملء الفراغات المسكوت عنها عقب نهاية كل لقطة.
إن مجموعة “ظلال” ليست مجرد حكايات تُروى، بل هي مرآة عاكسة للتشققات الصغيرة التي تحدث في جدار الروح الإنسانية يوميًا دون أن نلتفت إليها. نجحت الكاتبة من خلال لغتها الرشيقة وقناصتها السردية في تحويل المواقف العابرة إلى تساؤلات وجودية عميقة حول الحرية، الاختيار، والمصير. إنها مجموعة تُقرأ بتمهل، لأن سحرها الحقيقي يكمن فيما تتركه وراءها من “ظلال” في مخيلة القارئ.
بقلم /صباح أحمد العمري.






