«تُقاس حضارة الأمم بما توفره لمواطنيها من أمن، ويُقاس تقدم مؤسساتها بما توفره لهم من وقت.»
ولعل وزارة الداخلية السعودية قدمت نموذجًا لافتًا في الجمع بين الأمرين؛ فهي لم تكتفِ بحماية أمن المجتمع واستقراره، بل كانت من أوائل مؤسسات الدولة التي أدركت مبكرًا قيمة الوقت، فجعلت التقنية في خدمة الإنسان، وأسهمت في ترسيخ مفهوم الحكومة الرقمية قبل أن يصبح نهجًا عامًا في مؤسسات الدولة.
وقد استحضرت هذه الحقيقة قبل أيام مع دخول موسم الإجازات الصيفية، حين استعد السائق الذي يعمل لدينا للسفر إلى بلده لقضاء إجازته السنوية مع أسرته. وكعادتي في كل عام، كان أول ما تبادر إلى ذهني استخراج تأشيرة الخروج والعودة.
عادت بي الذاكرة سنوات إلى الوراء، حين كانت هذه المعاملة تعني بالنسبة لي مراجعة إدارة الجوازات، والانتظار ساعات طويلة بين الطوابير، وتأجيل كثير من الأعمال حتى أحصل على التأشيرة. كان ذلك جزءًا من الروتين المعتاد الذي اعتدنا عليه، ولم نكن نتخيل يومًا أن يصبح بهذه السهولة.
أما هذه المرة، فلم أحتج إلا إلى فتح منصة «أبشر»، وإتمام الإجراءات خلال دقائق معدودة وأنا في منزلي، لتنتهي المعاملة التي كانت فيما مضى تستنزف الوقت والجهد.
في تلك اللحظة أدركت أن ما نعتبره اليوم أمرًا عاديًا، هو في الحقيقة إنجاز وطني كبير، لأننا اعتدنا النعمة حتى نسينا حجم المعاناة التي كانت تسبقها. فالتحول الحقيقي لا يكمن في رقمنة الخدمة فحسب، وإنما في احترام وقت الإنسان، وتخفيف الأعباء عنه، وجعل التقنية وسيلة لراحته.
ومن هنا أدركت أن وزارة الداخلية لم تكن مجرد جهة تقدم خدمات إلكترونية، بل كانت من أوائل الوزارات التي آمنت بالحكومة الرقمية، واستثمرت فيها مبكرًا، حتى أصبحت تجربتها نموذجًا يُحتذى به، وأسهمت في تغيير مفهوم العلاقة بين المواطن والجهة الحكومية.
لقد تجاوز دور وزارة الداخلية مفهوم الأمن بمعناه التقليدي، ليشمل أمن الوقت، وراحة المواطن والمقيم، وجودة الحياة. وهذه إنجازات قد لا تثير الضجيج، لكنها تترك أثرًا عميقًا في حياة الناس، لأنها تمس تفاصيلهم اليومية.
ويصدق في ذلك قول النبي ﷺ:
«خيرُ الناسِ أنفعُهم للناسِ.»
وهذا هو المعيار الحقيقي لنجاح المؤسسات؛ فكلما استطاعت أن تجعل حياة الناس أكثر يسرًا، وأن تحفظ أوقاتهم، وتخفف عنهم أعباء الإجراءات، كانت أقرب إلى تحقيق رسالتها، وأجدر بالتقدير والثناء.
• استاذ التاريخ القديم
جامعة الملك سعود سابقاً





