هناك مفهوم مترسخ في عقيدتنا الإسلامية، ألا وهو إمكانية الإصابة بالعين، الأمر الذي يتطلب التعامل مع هذا المفهوم باعتدال، مع الحرص على الوقاية من الإصابة بالعين بالأذكار الشرعية والتحصين اليومي، وعدم إهمال الأسباب العلمية والطبية، وذلك استنادًا إلى النصوص الشرعية الدالة على حقيقتها. يقول الله تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾، وهو ما فسره بعض العلماء بأنه إشارة إلى تأثير العين، وقوله صلى الله عليه وسلم: «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين» (رواه مسلم).
وقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أجسام أبناء الصحابي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه هزيلة، فقال لأمهم أسماء بنت عميس رضي الله عنها: «ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة، أتصيبهم الحاجة؟» (أي الفقر)، فقالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم. فقال عليه الصلاة والسلام: «ارقيهم». ويستفاد من هذا الحديث ما يلي:
1. هناك فئة من الناس لديهم القابلية للإصابة بالعين.
2. هؤلاء الفئة ينبغي لهم المحافظة على أذكار التحصين صباحًا ومساءً، وإن كانوا أطفالًا فينبغي لوالديهم أن يقوموا بمهمة التحصين يوميًا.
3. في حالة الإصابة، لا قدر الله، بالعين، فينبغي المداومة على الرقية الشرعية حتى يزول البأس، وإن ظهر أي نوع من الأمراض فلا بد من مراجعة الطبيب المختص.
وفي الحديث الصحيح الآخر الذي رواه النسائي وأحمد، أن الصحابي عامر بن ربيعة رضي الله عنه مر بالصحابي سهل بن حنيف رضي الله عنه وهو يغتسل، فقال عامر: «لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة» (وصف عامر جلد سهل كجلد عذراء مخبأة)، فما لبث أن لُبط سهل (أي أصيب بحمى) وسقط أرضًا، وذلك من أثر العين. فأُتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: «من تتهمون به؟» فقال الصحابة: سمعنا عامرًا يقول كذا وكذا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «علام يقتل أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة». ثم أمر عامرًا أن يتوضأ ويغسل ركبتيه وداخل إزاره، وأن يُصب ماء الغسل على سهل، فراح سهل مع الناس ليس به بأس. ويستفاد من هذا الحديث ما يلي:
1. سرعة أثر العين.
2. ليس بالضرورة أن يكون العائن من شرار الناس، بل قد تصدر العين من خيار الناس.
3. لا ينبغي الحكم على أحد بأنه أصاب أحدًا بالعين إلا إذا تحدث بإعجاب عن المعيون.
4. وجوب اغتسال العائن، إذا تحدث بإعجاب، للمعيون، وذلك لأمر النبي صلى الله عليه وسلم للعائن أن يغتسل للمعيون، في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العين حق، وإذا استغسلتم فاغسلوا».
ولكن هذا المفهوم المترسخ يتجاوز أحيانًا حد المعقول، حتى صار البعض يعتقد أن كل ما يصاب به الإنسان هو نتيجة الإصابة بالعين، ويستدلون بالحديث الذي حسنه الألباني رحمه الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثر ما يموت من أمتي، بعد قضاء الله وقدره، بالأنفس». ثم يبدأون في الشك فيمن حولهم، وأحيانًا يجزمون بأن فلانًا قد أصابهم بعين، بالرغم من أنه لم يتفوه بشيء من الإعجاب أو نحوه. وهذا التصرف لا يجوز بأي حال من الأحوال، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» (رواه البخاري ومسلم).
ثم تبدأ بعد ذلك حملة الاتهامات والجري وراء المحيطين بالمعيون طلبًا للغسل والوضوء منهم، واتخاذ المواقف المعادية في حالة الرفض، فيندفعون إلى الاستنتاج والجزم بأن كل من رفض هو حتمًا العائن. وهذا التصرف غير جائز في حق كل من لم يُسمع وهو يتكلم بشيء من الإعجاب عن المعيون، إلا في حالة اعترافه بذلك فيما بعد.
ويحدث أحيانًا أن يكون شخص ما قد تحدث عن آخر بشيء من الإعجاب بينه وبين نفسه، إلا أنه يخشى الإفصاح عن ذلك خوفًا من أن يعاقب بوصفه صاحب عين قوية، فيؤثر السكوت. ولذلك يلجأ بعض الناس إلى الغسل الجماعي، بحيث يغتسل الجميع، وبعد ذلك يُجمع ماء الغسل الجماعي ويقدم للمعيون. وفي كل الأحوال، فإن هذا الغسل الجماعي لم يُعمل به في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد صحابته رضوان الله عليهم.
وعمومًا، فإن ما ينبغي الحذر منه في هذه المسائل هو عدم التفوه بأي شيء من الإعجاب قبل الدعاء لصاحب النعمة بالبركة؛ لأن عدم التبريك مدعاة للإصابة بالعين التي قد تؤدي إلى الهلاك، لقوله صلى الله عليه وسلم: «علام يقتل الرجل أخاه؟ إذا رأى أحدٌ من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة». كما يجب على كل من تحدث بإعجاب عن أحد ولم يبرك، ونتج عن ذلك إصابته، أن يبادر بالغسل إذا طُلب منه ذلك، وألا يتبادر إلى ذهنه أنه لديه قابلية لإصابة الناس بعينه؛ فقد تحدث مرة، ولا تحدث مرات أخرى، وذلك كله بإذن الله.
ويتساءل بعض الناس: هل للشيطان دور مباشر في الإصابة بالعين؟ وفي الواقع، إنه ليس هناك نص صريح يؤيد ذلك، وإنما قد يكون بالوسوسة للعائن للقيام بذلك، أو إنساء الشخص ذكر الدعاء بالبركة للآخرين عند رؤية ما يعجبه فيهم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، لما للشيطان من قدرة على التلبيس على بني آدم.
هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا وسيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.






