
ثمة مبدعون يتركون بصمات لا تمحى في الوجدان، بينما تظل أسماؤهم بعيدة عن دائرة الشهرة. ومن أبرز هؤلاء الشاعر الغنائي محمد حسن علي حسن حلاوة، الذي كتب كلمات تغنى بها كبار نجوم الطرب العربي، وما زالت أعماله حاضرة في ذاكرة الأجيال.
وُلد محمد حلاوة في 27 ديسمبر 1927 بحي كوم الدكة بمدينة الإسكندرية، وحفظ القرآن الكريم في أحد كتاتيب الحي قبل أن تنتقل أسرته إلى القاهرة، حيث أكمل تعليمه حتى تخرج في كلية التجارة بجامعة القاهرة. عمل في هيئة البريد، ثم أشرف على متحف الموسيقى العربية، وأسهم في الحفاظ على جانب مهم من التراث الموسيقي المصري.
بدأت رحلته مع الشعر الغنائي في أواخر أربعينيات القرن الماضي، وكانت أولى أغنياته في الإذاعة المصرية «أنا بنت الريف المصرية» بصوت فاطمة علي وألحان أحمد صدقي، لتكون بداية مسيرة حافلة بالعطاء.
وكان الموسيقار محمد الموجي من أوائل المؤمنين بموهبته، فلحن له عددًا كبيرًا من الأغنيات التي قدمها عبد الحليم حافظ، ومنها: «لو كنت يوم على قلبي تهون»، و«مغرور»، و«ريح قلبك»، و«يا واحشني»، و«بعدك حيران يا ليل»، و«أنوار وسهر»، إضافة إلى الأغنية الوطنية «تحت راية بورسعيد».
ولم تتوقف تجربته عند عبد الحليم، فقد غنى من كلماته ليلى مراد، ومحمد فوزي، ومحمد قنديل، وصباح، وسعاد مكاوي، وفايزة أحمد، ونجاة الصغيرة، وأحلام، وغيرهم من نجوم الغناء.
ومن أشهر أعماله الأغنية الرمضانية الخالدة «حاللو يا حاللو.. رمضان كريم يا حاللو»، التي ولدت بصورة عفوية خلال إحدى الحلقات الإذاعية، ثم صاغها محمد الموجي لحنًا لتصبح إحدى العلامات الفنية الملازمة لشهر رمضان.
وتروي المصادر أن أم كلثوم أبدت رغبتها في الغناء من كلماته، إلا أن اختلافًا حول إدخال تعديلات على النص حال دون إتمام التعاون، بعدما تمسك الشاعر بصياغته الأصلية.
اتسم محمد حلاوة برهافة الحس وعشقه للكلمة، وكان بعيدًا عن الأضواء والظهور الإعلامي، لذلك لم يحظ بالشهرة التي يستحقها، رغم أن أعماله ظلت حية على ألسنة الناس، تؤكد أن الكلمة الصادقة أطول عمرًا من شهرة أصحابها.
رحل محمد حلاوة، لكنه ترك إرثًا فنيًا خالدًا، يثبت أن الإبداع الحقيقي لا يقاس بحجم الظهور الإعلامي، وإنما بما يتركه في وجدان الناس من أثر جميل لا يزول.

