المقالات

الممحاة، والاستقالة، والانسحاب… لكلٍّ منها مستقبلان؛ أحدهما ستعيشه، والآخر اخترت ألا تراه

استوقفني اقتباسٌ قديم، صاغه صاحبه بلغةٍ مجازية لافتة، جمع فيه الممحاة، ومخارج الطوارئ، والاستقالة، وكل ما يمنح الإنسان طريقًا للتراجع. ولم يكن يقصد هذه الأشياء بذاتها، بقدر ما أراد أن يوقظ في ذهن القارئ فكرةً أكبر.

ولأن الاقتباسات العميقة لا تُقرأ عند حدود ألفاظها، بل بما تثيره من أسئلة، وجدت نفسي أنظر إلى الفكرة من زاويةٍ أخرى، وأتساءل: هل كثرة المخارج تمنح الإنسان شعورًا بالأمان، أم أنها تُضعف التزامه بما بدأه؟
ربما تكمن المشكلة في أن الإنسان لا يعتاد استخدام المخارج فحسب، بل يعتاد التفكير بها. وما إن تصبح حاضرةً في ذهنه، حتى يتغيّر أسلوبه في مواجهة الصعوبات. فبدلًا من أن يسأل نفسه: كيف أتجاوز هذه العقبة؟ يبدأ بالسؤال: كيف أخرج منها؟
ولذلك لا أرى أن أثر كثرة المخارج يظهر عند أول قرار، وإنما عند أول تعب. هناك، يتسلل الانسحاب إلى العقل بوصفه خيارًا مريحًا، لا لأنه الأفضل، بل لأنه الأقرب.
ولعل هذا ما يفسر أن كثيرًا من المشاريع الواعدة تتوقف قبل أن تؤتي ثمارها، وأن بعض العلاقات تنتهي قبل أن تُمنح فرصةً صادقة للإصلاح، وأن أحلامًا كثيرة تُدفن وهي لا تزال في بداياتها. ليس لأن أصحابها كانوا عاجزين، بل لأنهم غادروا الطريق قبل أن يكشف لهم نهايته.
ولا أدعو إلى إلغاء الاستقالة، ولا إلى إغلاق مخارج الطوارئ، ولا إلى التمسك بكل طريق مهما كانت عواقبه. فالحكمة قد تكون أحيانًا في الانسحاب، كما تكون الشجاعة أحيانًا في التراجع. لكن الفرق كبير بين قرارٍ تفرضه الحكمة، وآخر تمليه الرغبة في الراحة.
ولهذا فإنني أكتب هذه الكلمات لأوصي نفسي قبل غيري: ألا أستعجل الانسحاب، وألا أجعل التعب سببًا كافيًا للتراجع، وألا أُقنع نفسي بتلك العبارة التي يرددها كثيرون عند مفترق الطرق: لن أخسر شيئًا.
لا… قد تخسر أكثر مما تظن.
فبعض الخسائر لا تقع لحظة الانسحاب، بل تظهر عندما ترى غيرك يصل إلى النهاية التي غادرتها أنت…

عزة عبدالرحمن الغامدي

مدير إدارة الاستثمار - كلية الباحة الأهلية للعلوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى