المقالات

إيوان المودة.. جامعة مفتوحة

«طلاليات»

في زمن التحولات العلمية، الذي تتجدد فيه مفاهيم التنمية، تظل المجالس الثقافية الراقية إحدى أهم المنصات التي تصنع الوعي، وتفتح آفاق الحوار، وتربط بين الخبرة والمعرفة، لتؤكد أن الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا، وإنما شريكٌ أصيل في بناء الإنسان وصناعة المستقبل.

ومن هذا المنطلق جاءت الأمسية التي احتضنها إيوان المودة بالشراكة مع صحيفة مكة الإلكترونية، في منزل سعادة الدكتور عايض بن محمد الزهراني، مساء الثلاثاء 15 محرم 1448هـ، مستضيفًا معالي الأستاذ الدكتور بكري بن معتوق عساس، مدير جامعة أم القرى السابق، في لقاء ثقافي حمل عنوان «رحلة الجامعات السعودية»، وأداره الأستاذ الدكتور أحمد عيسى الهلالي، الذي أدار الأمسية باقتدار وكفاءة، وسط حضور نوعي ضم نخبة من الأكاديميين والمثقفين والإعلاميين والمهتمين بالشأن التعليمي.

واستهل رئيس مجلس إدارة إيوان المودة، الأستاذ الدكتور عايض بن محمد الزهراني، الأمسية بكلمة حملت معاني الترحيب والتقدير بضيوف اللقاء، وفي مقدمتهم معالي الدكتور بكري عساس، كما رحب بالحضور، وبالشريك الإعلامي صحيفة مكة الإلكترونية ممثلة برئيس تحريرها الأستاذ عبدالله أحمد الزهراني.

هنا لم يكن اللقاء مجرد استعراض لتاريخ الجامعات السعودية، بل كان قراءة عميقة لمسيرة وطن آمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن الجامعات هي المصانع التي تُبنى فيها العقول، وتُصاغ فيها القيادات، وتُرسم من خلالها ملامح المستقبل.

تحدث معالي الدكتور بكري عساس بلغة العارف بتفاصيل التجربة، مستحضرًا مراحل تأسيس الجامعات السعودية، وما شهدته من تطور متسارع حتى أصبحت اليوم مؤسسات معرفية تنافس على المستويات الإقليمية والعالمية، وتسهم في إنتاج المعرفة والبحث العلمي والابتكار، إلى جانب دورها في إعداد الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة التنمية في مختلف القطاعات.

كما تناول جانبًا من تجربته الأكاديمية والإدارية الممتدة، مستعرضًا التحولات التي عاشها التعليم الجامعي، وما واجهه من تحديات، وكيف استطاعت الجامعات السعودية، بدعم القيادة الرشيدة، أن تتحول إلى بيوت خبرة ومراكز إشعاع علمي، تتكامل مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي جعلت من التعليم أحد أهم الممكنات لتحقيق التنمية المستدامة وبناء الاقتصاد المعرفي.

وكان من اللافت تمكن الدكتور عساس من ارتجال الحديث واستعراض تجاربه وخبراته باحترافية، مبتعدًا عن القراءة من النصوص الورقية المعتادة، ومتكئًا على خبرة طويلة وممارسة أكاديمية وإدارية ثرية، الأمر الذي لفت انتباه الحضور ونال إعجابهم.

واتسم أداء الدكتور عساس أثناء المحاضرة بروح الدعابة، وباللهجة الحجازية المكية المحببة، التي كانت تقطعها بين الحين والآخر تصفيقات الحضور إعجابًا بما يطرحه. كما استعاد ذكرياته في الأحياء المكية، وطفولته، ودراسته، والجيرة، مستذكرًا ما كان يربطه بصديقه وزميله الأستاذ الدكتور يوسف عسيري، رئيس جامعة الطائف، في حي المسفلة وأروقة مدارس أم القرى.

واعتمد الدكتور عساس أن تكون الأمسية أقرب إلى سردية قصصية، حتى لا يمل الحضور من الطرح التقليدي، وقد نجح في ذلك بامتياز، حيث مزج بين المعلومة والقصة والتجربة الشخصية، فخرج اللقاء ثريًا وممتعًا في آن واحد.

وقد شهدت الأمسية حوارًا ثريًا اتسم بالعمق والموضوعية، وزادته مداخلات الحضور جمالًا وثراءً، إذ طرحوا رؤى وأفكارًا تعكس وعيًا كبيرًا بأهمية التعليم الجامعي في صناعة الإنسان، وبناء مجتمع المعرفة، وتعزيز الشراكة بين الجامعات ومؤسسات المجتمع.

ولعل ما منح هذه الأمسية بعدًا أكبر ذلك الحضور النخبوي المميز الذي ضم شخصيات علمية وإدارية وثقافية بارزة، يتقدمهم معالي رئيس جامعة الطائف الأستاذ الدكتور يوسف عسيري، وسعادة مدير فرع وزارة الصحة بمحافظة الطائف الأستاذ سمير الشهراني، إلى جانب عدد من القيادات الأكاديمية والإعلامية والثقافية والمهتمين. ولم يكن هذا الحضور مجرد مشاركة بروتوكولية، بل حمل دلالة واضحة على المكانة التي باتت تحظى بها هذه المجالس الفكرية، وإيمان أصحاب القرار والنخب الوطنية بأن الحوار والمعرفة شريكان أساسيان في صناعة التنمية.

إن اجتماع هذه القامات العلمية والفكرية تحت سقف واحد يبعث برسالة مهمة مفادها أن الوطن الذي يطمح إلى الريادة لا يكتفي ببناء المشروعات، بل يبني كذلك منصات للحوار، ويهيئ بيئات تلتقي فيها الخبرات، وتتلاقح فيها الأفكار، وتتولد منها المبادرات التي تخدم الوطن والإنسان.

وفي تقديري، فإن مثل هذه اللقاءات يجب أن تحظى بكل الدعم والتشجيع، لأنها تمثل مدارس غير تقليدية للتعلم، وجسورًا للتواصل بين الأجيال، وفرصًا ثمينة لتبادل الخبرات والتجارب بين القيادات والأكاديميين والمثقفين والإعلاميين، وسائر المهتمين.

كما أنها تعزز ثقافة الحوار المسؤول، وتثري الحركة الأكاديمية والفكرية، وتسهم في صناعة رأي عام واعٍ يدرك قيمة العلم والمعرفة في بناء الأمم.

واليوم، ونحن نعيش مرحلة استثنائية يقودها مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-، وسيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله-، برؤية طموحة جعلت الإنسان محور التنمية، فإن مثل هذه المجالس الفكرية تتناغم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تؤمن بأن المعرفة هي الاستثمار الأجدى، وأن الجامعات والثقافة والحوار تشكل منظومة واحدة في صناعة مستقبل أكثر إشراقًا.

ويبقى الشكر والتقدير لإيوان المودة ممثلًا في سعادة الدكتور عايض بن محمد الزهراني، الذي نجح في أن يجعل من إيوان المودة منبرًا ثقافيًا راقيًا، يلتقي فيه الفكر بالخبرة، والعلم بالحوار، والنخبة بالمجتمع، ليؤكد أن المجالس الثقافية، حين تُحسن أداء رسالتها، تصبح جامعاتٍ مفتوحة، تُخرِّج الوعي، وتصنع الأثر، وتخدم الوطن بأسمى صور العطاء.

محمد سعد الثبيتي

طلاليات محمد الثبيتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى