كتاب الرأي

ابن المقفع… رائد النثر العربي وصاحب «كليلة ودمنة»

يُعدّ عبد الله بن المقفع واحداً من أبرز أعلام الأدب العربي، وأحد المؤسسين الحقيقيين لفن النثر الفني في العصر العباسي. واسمه الأصلي روزبه بن دادويه، وهو فارسي الأصل، اعتنق الإسلام بعد أن كان على المجوسية، ثم أتقن العربية والفارسية، وامتلك ثقافة واسعة جعلته جسراً حضارياً نقل كثيراً من كنوز الأمم إلى العربية.

وقد جاء ظهور ابن المقفع في مرحلة ازدهار حضاري شهدتها الدولة العباسية، حيث أصبحت بغداد مركزاً للعلم والمعرفة، وازدهرت حركة الترجمة من الفارسية واليونانية والسريانية والهندية، ونشطت المجالس العلمية، وبرز العلماء والأدباء في مختلف العلوم. وكان هذا المناخ الثقافي من أهم العوامل التي أسهمت في نهضة الأدب العربي وتطوره، فظهر جيل من الكتّاب الذين جمعوا بين الثقافة الواسعة والأسلوب الرفيع، وكان ابن المقفع في مقدمتهم.

ويظل كتاب «كليلة ودمنة» أشهر أعماله على الإطلاق. أصل الكتاب هندي، ثم تُرجم إلى الفهلوية، ومنها نقله ابن المقفع إلى العربية بأسلوب أدبي بالغ الروعة، ولم يقتصر دوره على الترجمة، بل أعاد صياغته وأضاف إليه من بيانه وحكمته حتى أصبح عملاً عربياً خالداً. وقد اعتمد الكتاب على الحكايات التي تجري على ألسنة الحيوانات لتقديم دروس في الأخلاق والسياسة والإدارة والحكمة، وانتقل بعد ذلك من العربية إلى لغات العالم، فكان من أكثر الكتب تأثيراً في الأدب العالمي وأدب الأطفال والأمثال والحكايات الرمزية.

ولم تتوقف إسهاماته عند «كليلة ودمنة»، بل ألّف كتباً أصبحت من كلاسيكيات الأدب العربي، من أبرزها «الأدب الكبير» الذي تناول أخلاق الحكام وآداب السلوك والعلاقات الإنسانية، و«الأدب الصغير» الذي ضم خلاصة من الحكم والتجارب في تهذيب النفس، و«رسالة الصحابة» التي عرض فيها رؤيته للإدارة الرشيدة وتنظيم شؤون الدولة بأسلوب أدبي رفيع.

ومن أشهر ما نُقل عنه قوله حين سُئل: «من أدبك؟» فقال: «نفسي؛ إذا رأيت من أحد حسناً أتيته، وإن رأيت قبيحاً أبيته». وهي عبارة تلخص فلسفته في التعلم من التجربة والاقتداء بالمحاسن واجتناب المساوئ.

ويروى أيضاً أنه التقى بالخليل بن أحمد الفراهيدي، فقيل للخليل: كيف رأيته؟ فقال: «علمه أكثر من عقله». وسُئل ابن المقفع عن الخليل فقال: «عقله أكثر من علمه». وتبقى هذه الرواية من الأخبار الأدبية المشهورة التي تعكس مكانة الرجلين في الثقافة العربية.

ورغم أن ابن المقفع رحل في ريعان شبابه، ولم يعش سوى نحو ستة وثلاثين عاماً، فإن أثره تجاوز حدود الزمن. فقد أسهم في ترسيخ فن النثر العربي، ورفع مكانة الترجمة من مجرد نقلٍ للنصوص إلى إبداعٍ أدبي، وأصبح أسلوبه نموذجاً يُحتذى في البلاغة والوضوح ودقة التعبير.

لقد بقي اسم ابن المقفع حاضراً في ذاكرة الأدب العربي، ليس لأنه ألّف كتباً عظيمة فحسب، بل لأنه أسهم في بناء ثقافة عربية أكثر انفتاحاً على تراث الأمم، وجعل من الكلمة جسراً للتواصل بين الحضارات، فاستحق أن يكون أحد الخالدين في تاريخ الأدب الإنساني.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى