لم يكن حصول برنامج بكالوريوس العلاقات العامة بكلية الاتصال والإعلام على الاعتماد الأكاديمي الكامل مجرد إنجاز يضاف إلى سجل القسم، بل كان تتويجاً لجهد مؤسسي امتد عدة أشهر، اتسم بالتخطيط المنظم، والمراجعة المستمرة، والعمل بروح الفريق. ويعكس هذا الإنجاز نضج البرنامج وقدرته على استيفاء متطلبات الاعتماد الوطني، وتحويل معايير الجودة إلى ممارسات مؤسسية مستدامة تُسهم في الارتقاء بالعملية التعليمية. وخلال هذه التجربة لمسنا كيف تتحول الجودة من وثائق وإجراءات إلى ثقافة عمل يومية توجه الأداء الأكاديمي، وتدعم اتخاذ القرار، وترسخ التحسين المستمر. وقد مثل هذا النجاح ثمرة جهود تكاملت فيها أدوار أعضاء لجنة الجودة والاعتماد الأكاديمي واللجان الأكاديمية بالقسم، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن جودة التعليم مسؤولية مشتركة، وأن التميز الأكاديمي لا يتحقق إلا من خلال عمل مؤسسي متكامل.
ويعد الاعتماد الأكاديمي اليوم أحد أهم مؤشرات جودة البرامج الجامعية، إذ لا يقتصر على تقييم الوثائق أو استيفاء المتطلبات الأكاديمية، وإنما يقيس مدى قدرة البرنامج على تحقيق رسالته وأهدافه، وكفاءة مخرجاته التعليمية، ومواءمة خططه الدراسية مع احتياجات سوق العمل، إضافة إلى فاعلية أنظمة التقويم والقياس، وكفاءة البيئة التعليمية، ومستوى التحسين المستمر المبني على الأدلة والشواهد. ولذلك أصبح الاعتماد الأكاديمي أداة استراتيجية لتعزيز الثقة في جودة البرامج الجامعية ورفع تنافسيتها محليًا ودوليًا.
وقد تعامل برنامج بكالوريوس العلاقات العامة مع مشروع الاعتماد الأكاديمي بوصفه مشروعاً استراتيجياً للتطوير المؤسسي، وليس مجرد استيفاء لمتطلبات الحصول على الاعتماد. وانطلقت رحلة العمل من دراسة متعمقة لمعايير ومتطلبات الاعتماد، تلتها صياغة خطة تنفيذية شاملة تضمنت جدولاً زمنياً واضحاً، وآليات دقيقة للمتابعة والقياس، وتوزيعاً واضحاً للأدوار والمسؤوليات، بما يضمن تكامل الجهود وفاعلية التنفيذ. كما جرى تفعيل اللجان المتخصصة، وبناء منظومة متكاملة لتوثيق الإجراءات والأدلة والشواهد، مع المتابعة المستمرة لمؤشرات الأداء وفرص التحسين. ولأن الاعتماد الأكاديمي يقوم على الأدلة والبيانات، لم يكتفِ البرنامج بالوثائق والإجراءات، بل عزز ملف استيفاء شروط الاعتماد الأكاديمي بدراسة بحثية اعتمدت على مقابلات مع أرباب العمل؛ للتحقق من مواءمة نواتج تعلم البرنامج وخصائص الخريجين مع احتياجات سوق العمل، بما وفر دليلاً علمياُ يدعم قرارات تطوير البرنامج وتعزيز مواءمته مع المتطلبات المهنية المستقبلية.
ومن واقع المشاركة في رحلة الاعتماد الأكاديمي أدركت أن أكبر قيمة يحققها الاعتماد ليست في الحصول على الشهادة ذاتها، وإنما في ترسيخ ثقافة الجودة والتحسين المستمر داخل البرنامج الأكاديمي. فقد أسهمت هذه التجربة في تعزيز اتخاذ القرار المبني على المؤشرات والبيانات، وتحويل عمليات قياس نواتج التعلم، وتطوير المقررات، ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل، وتقديم خدمات التوجيه الأكاديمي والمهني والنفسي والاجتماعي لطلبة البرنامج، إلى ممارسات مؤسسية مستدامة تنفذ بصورة دورية، وتوظف نتائجها في اتخاذ قرارات التطوير والتحسين، بدلاً من أن تكون إجراءات مؤقتة تمارس استعداداً لزيارات الاعتماد الأكاديمي.
ولعل من أبرز ما أكدته هذه التجربة أن الاعتماد الأكاديمي لا يغير الوثائق بقدر ما يغير أسلوب العمل. فقد أصبحت الجودة جزءًا من الممارسة اليومية داخل البرنامج، وأصبح التخطيط للمقررات، وقياس نواتج التعلم، وتحليل مؤشرات الأداء، ومتابعة الخطط التحسينية، مسؤوليات مؤسسية تمارس بصورة مستمرة، لا ترتبط بمواسم التقييم أو زيارات الاعتماد. كما برزت أهمية إغلاق دائرة الجودة من خلال الربط المنهجي بين التخطيط والتنفيذ والتقويم والتحسين، بحيث لا تتوقف العملية عند جمع البيانات أو تحليلها، بل تمتد إلى اتخاذ قرارات تطويرية مبنية على النتائج، ثم متابعة أثر هذه القرارات في الدورات اللاحقة. وقد أسهم ذلك في ترسيخ ثقافة التحسين المستمر، ورفع مستوى الوعي لدى أعضاء هيئة التدريس بأهمية التوثيق، والعمل المبني على الأدلة، والتطوير المستند إلى البيانات، وهو ما انعكس إيجاباً على كفاءة إدارة البرنامج واستدامة عمليات التحسين.
بعد هذه الرحلة، أدركت أن الاعتماد الأكاديمي ليس مشروعاً للحصول على شهادة، ولا مجرد مشروع للجودة، بل هو مشروع لتغيير طريقة التفكير وإعادة بناء ثقافة العمل المؤسسي. ومن هذا المنطلق، فإن الحصول على الاعتماد الأكاديمي الكامل لا يمثل نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة جديدة من المسؤولية، تدخل فيها البرامج في دورة استدامة الاعتماد القائمة على المراجعة الدورية، والتقويم المستمر، وتحديث الخطط في ضوء نتائج القياس والتحليل. فالحفاظ على هذا الإنجاز يتطلب ترسيخ ثقافة الجودة، والمتابعة المستمرة للمؤشرات، والاستجابة لمتغيرات البيئة التعليمية والمهنية، والسعي الدائم إلى الابتكار والتطوير. وستظل تجربة الاعتماد الأكاديمي من أكثر التجارب المهنية ثراءً لأنها لم تمنحنا شهادة اعتماد فحسب، بل علمتنا كيف نبني برنامجاً أكاديمياً أكثر جودة واستدامة، وكيف نجعل التحسين المستمر منهجاً في العمل وثقافةً مؤسسيةً راسخة.
0