المقالات

لسنا من المريخ .. ولا هن من الزهرة

منذ أن أصدر جون غراي كتابه الشهير «الرجال من المريخ والنساء من الزهرة»، أصبح عنوانه جزءاً من الثقافة الشعبية، وتحول إلى إحدى أشهر استعارات الثقافة المعاصرة، بل غدا أيقونةً ثقافيةً راسخةً في الوعي العام، حتى خُيّل للكثيرين أن الرجل والمرأة ينتميان فعلاً إلى عالمين مختلفين، وأن ما بينهما من اختلافات يفوق ما بينهما من مشتركات. وقد نجح الكتاب في تسليط الضوء على بعض الفروق في أساليب التفكير والتواصل والتعبير عن المشاعر، فوجد فيه كثير من الأزواج والزوجات تفسيراً لبعض ما يواجهونه من سوء فهم أو تباين في ردود الأفعال. لكنه، في الوقت ذاته، رسّخ لدى البعض صورةً مبالغاً فيها عن حجم تلك الفروق، وكأن الرجل والمرأة كائنان هبطا من كوكبين متباعدين لا تجمعهما لغة واحدة ولا طبيعة مشتركة. لكن الحقيقة أبسط من ذلك وأكثر عمقاً. فلسنا من المريخ، ولسن من الزهرة، بل نحن جميعاً أبناء الأرض نفسها. نعيش تحت السماء ذاتها، ونفرح ونحزن ونخاف ونأمل بالطبيعة الإنسانية ذاتها، وإن اختلفت درجات التعبير وأساليبه. وما نراه من اختلافات بين الرجل والمرأة ليس دليلاً على التباعد، بل هو أحد أسرار التكامل الذي قامت عليه الحياة منذ بدايتها. والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الكتاب قدم خدمة مهمة عندما دعا إلى فهم الاختلافات بدلاً من الاصطدام بها. فقد نبّه إلى أن الناس لا يعبرون جميعاً عن مشاعرهم بالطريقة نفسها، وأن كثيراً من الخلافات تنشأ من افتراض أن الطرف الآخر يفكر كما نفكر أو يشعر كما نشعر.

غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الملاحظات إلى أحكام عامة ثابتة، وكأن جميع الرجال نسخة واحدة، وجميع النساء نسخة واحدة. فالإنسان لا تصنعه فطرته وحدها، بل تشكله أيضاً تجاربه وتربيته وظروفه وشخصيته الفريدة. ولعل ما يجمع الرجل والمرأة أكبر بكثير مما يفرقهما؛ فكلاهما يبحث عن التقدير والاحترام، ويحتاج إلى الأمان والطمأنينة، ويفرح بالنجاح، ويتألم من الخذلان، ويخشى الفقد، ويرجو الحب. وإذا كانت هناك اختلافات في أساليب التعبير، فإن جوهر المشاعر الإنسانية يظل واحداً. ولذلك، فإن العلاقة الناجحة لا تقوم على البحث عن الفروق فحسب، بل على اكتشاف المساحات الواسعة التي يلتقي فيها الطرفان بوصفهما إنسانين قبل أي وصف آخر. ولو أردنا البحث عن تشبيه أقرب إلى الواقع من الكواكب البعيدة، لوجدناه في الطبيعة من حولنا. فالرجل قد يشبه الجبل في ثباته وقدرته على التحمل، بينما تشبه المرأة الوادي في احتضانه للحياة ومنحه الخصب والنماء. فلا قيمة لجبل يعلو وحيداً فوق أرض جرداء، ولا لوادٍ بلا جبال تحدد ملامحه وتحميه من العواصف؛ فالجمال الحقيقي لا يصنعه أحدهما منفرداً، وإنما يصنعه اجتماعهما وتكاملهما. وإذا تأملنا الفصول الأربعة، وجدنا أن الرجل والمرأة ليسا فصلين متقابلين، بل شريكين في رحلة واحدة تتقلب بين الربيع والصيف والخريف والشتاء. ففي أيام الفرح يعيشان ربيعاً مزهراً بالأحلام والوعود، وفي سنوات العمل والعطاء يعيشان صيفاً مفعماً بالحيوية والإنجاز، وفي التجارب والتحولات يمران بخريف تتساقط فيه بعض الأوهام لتنمو الحكمة، وفي الشدائد يواجهان شتاءً يحتاج كل منهما فيه إلى دفء الآخر.

وحتى الزلازل والبراكين، التي تبدو في ظاهرها رموزاً للقوة والاضطراب، تحمل درساً إنسانياً عميقاً. فكما تختزن الأرض في أعماقها طاقات هائلة لا تظهر إلا في لحظات معينة، يحمل الرجل والمرأة في داخلهما مشاعر وضغوطاً وآمالاً قد لا يراها الآخرون. وكما أن كثيراً من تضاريس الأرض الجميلة تشكلت عبر الزلازل والبراكين، فإن كثيراً من النضج والحكمة في العلاقات الإنسانية لا تصنعه الأيام الهادئة وحدها، بل تصنعه أيضاً التجارب الصعبة والهزات التي تعلم الإنسان كيف يفهم نفسه، وكيف يفهم من يحب. لذلك، فإن العلاقة الناجحة لا تقوم على افتراض أن الرجل من عالم والمرأة من عالم آخر، ولا على محاولة تحويل أحدهما إلى نسخة من الآخر، بل على فهم الاختلافات واحترامها، وتقدير ما تضيفه للحياة. التكامل لا يولد من التشابه التام، وإنما من اجتماع صفات مختلفة تتعاون لصناعة صورة أجمل وأكثر اكتمالاً. لسنا من المريخ، ولسن من الزهرة. نحن أبناء الأرض؛ الأرض التي تتسع للاختلاف دون أن تفقد وحدتها، وتجمع بين التنوع والانسجام في آن واحد. وكما أن جمال الأرض يكمن في تنوع تضاريسها وفصولها وظواهرها، فإن جمال الحياة الإنسانية يكمن في ذلك التنوع الذي يجعلنا مختلفين بما يكفي لنتكامل، ومتشابهين بما يكفي لنتفاهم.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى