المقالات

سيري بنا سيري

لفت انتباهي المقال الذي كتبه الفريق أول أسعد عبدالكريم الفريح عن صحيفة مكة الإلكترونية ومؤسسها الأستاذ عبدالله الزهراني، ذلك المقال الذي حمل كثيراً من الوفاء والتقدير لتجربة إعلامية استطاعت أن تحافظ على حضورها وتطورها في زمن تتسارع فيه التحولات الإعلامية وتتبدل فيه أدوات التأثير وصناعة الرأي. وقد أحسن الكاتب في تسليط الضوء على جانب مهم من قصة نجاح صحيفة مكة الإلكترونية، والدور الذي قام به الأستاذ عبدالله الزهراني في تأسيسها ورعايتها حتى أصبحت واحدة من أبرز الصحف الإلكترونية السعودية. غير أن الحديث عن هذه التجربة يفتح أبواباً أخرى تستحق الوقوف عندها، لما تحمله من عناصر نجاح جديرة بالتأمل. ولعل ما سأورده هنا لا يصدر عن كاتب في الصحيفة ولا عن منتسب إليها، وإنما عن متابع يرى أن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى بعض الجوانب التي أسهمت في تميز هذه التجربة الإعلامية واستمرارها.

فمن أبرز ما يلفت النظر في صحيفة مكة الإلكترونية أنها لم تحصر نفسها في إطار ضيق من الموضوعات والقضايا، بل فتحت صفحاتها لمجالات متعددة تشمل الشأن الثقافي والفكري والاجتماعي والتربوي والاقتصادي والإعلامي وغيرها من الموضوعات التي تلامس اهتمامات القراء وتطلعاتهم. وقد أسهم هذا التنوع في توسيع قاعدة المتابعين وتعزيز حضور الصحيفة بين مختلف شرائح المجتمع. كما نجحت الصحيفة في استقطاب كتّاب من تخصصات متنوعة، فاجتمع على صفحاتها الأكاديمي والتربوي والإعلامي والطبيب والمهندس والاقتصادي والباحث والأديب. ولم يكن ذلك مجرد تنوع في الأسماء، بل تنوع في الخبرات والرؤى وزوايا المعالجة، الأمر الذي منح المحتوى ثراءً معرفياً وفكرياً يستحق التقدير. ويحسب للقائمين على الصحيفة كذلك إيمانهم بأهمية مشاركة المرأة في صناعة الرأي والمعرفة، فبرزت أقلام نسائية متميزة إلى جانب الأقلام الرجالية، في صورة تعكس اتساع الأفق والإيمان بأن معيار التميز هو جودة الطرح وقيمة الفكرة.

ولم يقف التنوع عند حدود التخصص أو الجنس، بل امتد إلى التنوع الجغرافي والثقافي، حيث احتضنت الصحيفة كتّاباً من مختلف مناطق المملكة، كما أتاحت المجال لعدد من الكتّاب والمفكرين والإعلاميين من الدول العربية والإسلامية، لتصبح منصة للحوار الفكري والثقافي، وجسراً يربط بين تجارب وخبرات متعددة تحت مظلة إعلامية واحدة. ومن الجوانب التي تستحق الإشادة أيضاً حرص الصحيفة على منح الفرصة للأقلام الجديدة والواعدة إلى جانب الأسماء المعروفة وأصحاب الخبرة الطويلة. فكم من كاتب وجد في صحيفة مكة نافذته الأولى إلى القارئ، وكم من موهبة نمت وتطورت من خلال هذه المساحة التي آمنت بالفكرة الجيدة ومنحتها حقها في الظهور. ولعل من أهم أسباب نجاح هذه التجربة أن الأستاذ عبدالله الزهراني لم يتعامل مع الصحيفة باعتبارها منصة لنشر الأخبار والمقالات فحسب، بل بوصفها مشروعاً ثقافياً وإعلامياً يستثمر في الإنسان والفكرة معاً. ولذلك استطاعت أن تحافظ على حضورها، وأن تبني لنفسها مكانة مميزة في المشهد الإعلامي، وأن تستمر في أداء رسالتها رغم التحديات والتغيرات المتلاحقة.

إن بناء مؤسسة إعلامية ناجحة ليس بالأمر السهل، لكن الأصعب من البناء هو المحافظة على النجاح والاستمرار والتجدد. وما حققته صحيفة مكة الإلكترونية خلال مسيرتها يؤكد أن الرؤية الواضحة، والإدارة الواعية، والانفتاح على التنوع، واحترام الكلمة، كانت جميعها عوامل أساسية في هذا النجاح. ولهذا فإن الحديث عن صحيفة مكة الإلكترونية لا يقتصر على الإشادة بمؤسسة إعلامية ناجحة، بل هو حديث عن تجربة أثبتت أن المنبر الذي يتسع للجميع يكون أكثر قدرة على التأثير والاستمرار والعطاء.

إضاءة:
استلهمت عنوان هذا المقال “سيري بنا سيري” من الأغنية الوطنية الشهيرة التي كتب كلماتها الفريق أول أسعد عبدالكريم الفريح، تقديراً للمقال الذي كتبه عن صحيفة مكة الإلكترونية، وتعبيراً عن أمنية صادقة بأن تواصل الصحيفة مسيرتها الناجحة نحو مزيد من الحضور والتأثير والعطاء.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى