كتاب الرأي

مروا من هنا

مرحبا بالأمين الجديد
الصدفة لا تستطيع ترسيخ أسماء ذوي العطاء المميز في أذهان الناس، ولا يسعها رفع مقام شخص أو خفض شأن آخر، بل لا يمكنها منح حضورٍ يتجاوز الزمن والمنصب؛ فقيمة الإنسان تُقاس بمقدار ما يحققه من إنجاز، وما يتركه من أثرٍ ملموس، وما يقدمه من خدمات. أما الذين بقوا في الذاكرة، وإن رحلوا، فقد تركوا الأثر وحققوا الأهداف بكفاءة عالية، محسنين التصرف، باختيار أدوات تنفيذ المهام بعناية فائقة؛ لذلك ارتقوا إلى مصاف الأكثر تألقًا وثباتًا مقارنةً بمن سبقهم ومن لحقهم في مختلف المجالات العملية. وفي المقابل، ظل إهمال احتياجات المستفيد قاسمًا مشتركًا بين جموع المنسيين؛ لذلك كان من الطبيعي أن تعجز الذاكرة عن استحضار أسمائهم، نتيجة نمط أداءٍ تقليدي أفضى إلى غياب الأثر، فلم يبقَ منهم سوى طيف ذكرى لعبورٍ خجولٍ وباهت، سُجِّل في قوائم صورٍ معلقة في صالات الاستقبال بمعظم الإدارات، ضمن سلسلة: «مروا من هنا»، فذاكرة الناس في ميادين العمل لا تحتفظ إلا بأصحاب الإنجاز.
أمناء المناطق ورؤساء البلديات مثالًا بارزًا على بلوغ مرحلة تكاد تكسر قاعدة: «رضا الناس غاية لا تُدرك». فالمطلوب، من وجهة نظر العامة، لا يتجاوز الإبداع وشيئا من الابتكار بتوفير الخدمات، واستثمار الدعم السخي في تحسين المظهر الجمالي للمدن بما يليق برؤيةٍ سعوديةٍ طموحة ومشرِّفة، بدأت ثمارها تلوح مبكرًا في مختلف مجالات الحياة، فأشرقت بوادر التفاؤل، ورُسمت صورة جميلة خالية من التشوهات البصرية والسمعية في بعض المحافظات والقرى، بفضل كفاءة التشغيل، وبعض المبادرات الأنيقة التي أدركت أهمية التقنية فاستثمرتها، ومن أبرزها تأسيس فرقٍ شبابيةٍ تطوعية ذات ارتباط وثيق بأمانات بعض المناطق المتوثبة لمواكبة الرؤية وتحقيق مستهدفات جودة الحياة. فأصبح نقل الملاحظات عنصرًا بالغ الأهمية في أعمال الرصد والمتابعة، وتحقق بذلك تعاونٌ مثمر بين المجتمع وقيادات البلديات، حتى بلغ الأمر تحفيز وتكريم ناقلي الملاحظات والقائمين على معالجة الخلل على حد سواء، بل تجاوز ذلك إلى منح الفريق الأكثر نشاطًا تقديرًا معنويًا خاصًا لقاء سرعة المباشرة والمعالجة. وهكذا نشأت أجواء تنافسية بين فروع البلديات، مما جعل الحاجة إلى كثير من أعمال الرقابة الميدانية أقل كلفة، وأسفر المشروع عن سرعة الاستجابة لوأد مظاهر التشوه في مهدها.

لا شك أن السيرة العملية لأمين محافظة جدة، معالي الأستاذ إحسان بآفقيه، زاخرة بالخبرة والكفاءة، ومعززة بهمةٍ عالية تستلهم أهداف الرؤية المباركة. ولا ريب أن معاليه على اطلاعٍ شامل بكل ما يتعلق بجوانب الجمال ومواطن التشوه في المدينة. ومن حق معاليه على سكان وزوار عروس البحر الأحمر الصبر، وهو صاحب التجربة الفريدة والسمعة الرائدة. ومن حقهم عليه البدء عاجلا بمعالجة التلوث البصري والسمعي على امتداد المحاور الرئيسة، فضلًا عن الميادين الداخلية والشوارع الخلفية، لا سيما ما ينجم عن استغلال تراخيص محلات قطع غيار السيارات وزينتها، وما يصاحبها من انتشار ظاهرة إصلاح المركبات في الهواء الطلق على أيدي مخالفي نظام الإقامة، تحت إغراءات بعض أصحاب المحلات. وتبرز هذه المظاهر بوضوح عند تقاطع طريق الأمير ماجد بن عبد العزيز مع شارع سلطان بن سلمان، المتاخم لبوابة المطار، على بُعد أمتار من محطة القطار، وفي محيطٍ يضم فنادق ووحدات سكنية سياحية جديدة مطلة على مناظر غير لائقة داخل أحياء حديثة نموذجية ومنظمة لا تحتاج أكثر من الحماية بقرار نقل محلات قطع الغيار والزينة لوأد استغلالهما في تحويل الشوارع والاحياء لورش سيارات متنقلة تتزايد اعدادها يوما بعد الآخر، إضافة لأهمية ابعاد مركز الفحص الدوري الواقع في مواجهة المنفذ الجوي والبري لمحافظةٍ تستقبل وتودع عشرات الملايين من الزوار سنويًا.

محمد عودة الجهني

إعلامي- كاتب ومحلل سياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى