الحلقة 6
لم يخطر ببالي يوماً أن أكتب هذه السلسلة من المقالات عن تأسيس الرياضة السعودية وعن رائدها الأمير عبدالله الفيصل – رحمه الله –، ولم أتصور أن تجد كل هذا الصدى لدى القراء، وأن تحظى بهذا القدر من الاهتمام والمتابعة، أو أن تصلني كل تلك الاتصالات والرسائل والتعليقات التي تؤكد أن هذه الحلقات لم تكن مجرد استعادة لذكريات شخصية، بل نافذة أطل منها كثيرون على مرحلة مفصلية من تاريخ الرياضة السعودية، وعلى رجل كان أحد أبرز صُنّاعها وروادها.. ولا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر لكل من يتابع هذه الحلقات ويجد فيها ما يستحق القراءة والنظر.
وفي حلقة اليوم نسلط الضوء على مرحلة مفصلية في تاريخنا الرياضي حيث تتأرجح الحركة الرياضية بين القبول الشعبي والرفض الرسمي نتيجة ما كان يرافق بعض المباريات بل حتى التمارين من فوضى ومشاحنات واشتباك بالأيدي ناهيك عن محاذير اخرى ترى في ممارسة الكرة إنغماساً في اللهو يصرف عن مصلحة الفرد والمجتمع.
• من رماد الحرب إلى الركض في الملاعب
ألقت الحرب العالمية الثانية بظلالها على النشاط الرياضي في العالم بصفة عامة، وعلى ممارسة كرة القدم بصفة خاصة، واستمر ذلك لسنوات، ولم تكن الفرق الكروية في جدة ومكة المكرمة بمنأى عن هذا الركود الذي خيّم على تدريباتها ومبارياتها، حتى كاد أن يوجه الضربة القاصمة لهذه اللعبة، لولا التدخل السريع من رائد النهضة الرياضية الأمير عبدالله الفيصل – رحمه الله –
فعلى الرغم من أنه، في منتصف الستينيات الهجرية، لم يكن يتولى منصباً رسمياً في الدولة، فإنه كان يدرك أهمية الرياضة في حياة الشعوب، ويؤمن بحاجة الفرد إليها لما لها من أثرٍ نافع في صحته وعقله.. وحين وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1945م، وجد في نهايتها فرصة مواتية لإيقاظ اللعبة من سباتها العميق، وتجديد نشاطها محلياً، وتحفيز الفرق على استئناف ممارستها.
وتُحسب هذه المبادرة التاريخية للأمير عبدالله الفيصل – رحمه الله – إذ كان بإمكانه أن يبقى في موقع المتفرج، لكنه ومن تلك المدرسة الوطنية استقى فكره، ومن ذلك الإرث القيادي استمد رؤيته.. فقرر شق طريق التحدي بعزيمة وإصرار، ليخدم وطنه من كل موقع، وبكل وسيلة ممكنة.. وكيف لا، وهو يعيش إرهاصات المرحلة التي أعقبت توحيد المملكة، وشهد بدايات نهضتها الحديثة، والإسهام في بناء المزيد من أمجادها.
• دعم تحالفات الفرق ومبارياتها
لم تكن المسابقات الرسمية قد عرفت طريقها إلى ملاعب كرة القدم في جدة ومكة المكرمة، لذلك اقتصرت المنافسات على اللقاءات الودية والمناورات، التي كانت تمثل المتنفس الوحيد للفرق الممارسة للعبة. ولتجنب ما كان قد ينشأ من خلافات أو فوضى أثناء المباريات، اتجهت بعض الفرق إلى إقامة تحالفات رياضية فيما بينها، تُنظَّم في إطارها مناورات وديّة يسودها التعاون والروح الرياضية. فكان على سبيل المثال، هناك تحالف بين الاتحاد وأهلي مكة، وتحالف آخر بين الوحدة وأهلي جدة.
لم يكتفِ الأمير عبدالله الفيصل – رحمه الله – بإعادة الحياة إلى النشاط الكروي بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وإنما قام أيضاً بتشجيع هذه التحالفات الكروية، وحرص على دعمها وحضور فعالياتها، إيماناً منه بأنها تمثل خطوة مهمة نحو استعادة النشاط الرياضي، وأملاً في أن تمتد روح التعاون لتشمل جميع الفرق، وتسود العلاقات الرياضية فيما بينها.. ولهذا حضر سموه عدداً من المناورات التي أُقيمت خلال تلك الفترة.
وأذكر أنني زرت الشيخ كامل أزهر، رئيس نادي الوحدة الأسبق، في منزله بحي «جرول»، والتقيت به مرات عديدة في مجلسه الذي كان يضم عدداً من الشخصيات الرياضية ونجوم الوحدة القدامى. وخلال تلك اللقاءات حدثني عن بعض ذكرياته في مرحلة تأسيس نادي الوحدة في الستينيات الهجرية، وعن علاقته بالأمير عبدالله الفيصل، فقال إن فريق الوحدة، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، سعى إلى إعادة النشاط الكروي واستقطاب الجماهير إلى الملاعب من جديد، فنظم مناورة بين لاعبيه على ملعبه في حي المسفلة.
ولإضفاء مزيد من الأهمية على هذه المناسبة، وتشجيع الجماهير على حضورها، وجّه الوحداويون دعوة إلى الأمير عبدالله الفيصل لرعاية المناورة، فلبّى سموه الدعوة، وحضر المباراة، وكان يتابع مجرياتها باهتمام، ويتفاعل مع أحداثها، ويبدي إعجابه بما يقدمه اللاعبون من لمحات فنية مميزة.
وكانت الفرق والجماهير تنظر إلى رعاية الأمير عبدالله الفيصل لهذه المناورات بوصفها دعماً معنوياً كبيراً، أسهم في نشر اللعبة، وتشجيع الفرق، وتحفيز اللاعبين. وسرعان ما تسابقت الأندية إلى تنظيم المزيد من المناورات والمباريات تحت رعاية سموه، ومن أبرزها المناورة الكبرى التي جمعت بين الاتحاد وأهلي مكة عصر يوم الجمعة 2/6/1370هـ على ملعب الاتحاد الجديد، حيث أقام الاتحاديون قبل انطلاقها حفلاً تكريمياً للأمير عبدالله الفيصل، حضره عدد كبير من الشخصيات البارزة وكبار الرياضيين.
ومن المواقف التي تعكس مدى اهتمام الأمير عبدالله الفيصل بالرياضة وحرصه على المشاركة في مناسباتها، أنه في يوم إقامة تلك المناورة تعرّض لوعكة صحية ألزمته الفراش، إلا أن ذلك لم يمنعه من تلبية دعوة نادي الاتحاد. فتحامل على مرضه، وحضر الحفل، ورعى المناورة، في موقف يجسد حجم اهتمامه بالرياضة وإيمانه برسالتها، وحرصه على دعمها في تلك المرحلة التأسيسية.
• البحث عن الاعتراف الرسمي في “الطائف”
كانت طموحات الأمير عبدالله الفيصل – رحمه الله – أكبر من ذلك الواقع المتأرجح الذي كانت تعيشه كرة القدم، ولم يقنع بذلك النشاط المحدود الذي اقتصر على المناورات واللقاءات الودية.. ومع مطلع السبعينيات الهجرية، وبعد توليه منصب وزير الداخلية والصحة، رأى أن الوقت قد حان لاستثمار موقعه كرجل دولة في اتخاذ خطوة أكبر، تجمع شمل الرياضيين، وتنقل الحركة الرياضية من مرحلة الارتجال إلى التنظيم، ومن الفوضى إلى العمل المؤسسي.
ولتحقيق هذا الهدف، أدرك أن الخطوة الأولى تتمثل في الحصول على اعتراف رسمي بالرياضة، بما ينهي معاناة الرياضيين المزمنة المتمثلة في تجميد النشاط ومنع ممارسة كرة القدم بين حين وآخر. ومن هنا بدأ يمهد الطريق لهذا الاعتراف، واضعاً نصب عينيه بناء قاعدة رسمية تستند إليها الرياضة السعودية في مسيرتها المستقبلية.
وفي صيف عام 1371هـ، وبما عُرف عنه من بعد نظر وحسن تقدير، استدعى الأمير عبدالله الفيصل مجموعة من كبار الرياضيين في فريق «الكواكب» بالطائف، حيث كانت الحكومة تقضي موسم الصيف، وطلب منهم الاستعداد لإقامة مباراة أمام فريق البعثة الإنجليزية. ثم استدعى الشيخ عبدالله ماديني، رئيس ديوان إمارة الطائف، والشيخ عبدالقادر بن حريب، والشيخ عبدالملك رادين، وكانوا من أعضاء فريق الكواكب، وتحدث إليهم عن أهمية هذه المباراة، ثم اقترح عليهم التقدم بطلب إلى سمو ولي العهد آنذاك الأمير سعود بن عبدالعزيز لرعاية المباراة وتشريفها بالحضور.
وأوضح لهم أن المطلوب منهم يقتصر على التنسيق مع فريق البعثة الإنجليزية، أما جميع الترتيبات المتعلقة بتنظيم المباراة وحفلها فسيتولى هو الإشراف عليها بنفسه. وتم الاتفاق على ذلك، وتحرك الأمير عبدالله الفيصل بحيويته المعهودة، فأعد جميع الترتيبات اللازمة لإقامة المباراة على ملعب كرة القدم في نادي الضباط بالعقيق، أمام قصر شبرا.
وأُقيمت المباراة تحت رعاية سمو ولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز، وبحضور سمو الأمير فيصل بن عبدالعزيز، نائب جلالة الملك في الحجاز، كما حضرها الأمير عبدالله الفيصل بصفته وزيراً للداخلية والصحة، ورائداً للحركة الرياضية، يتابع عن قرب نجاح أولى خطواته نحو الحصول على الاعتراف الرسمي بالرياضة.
وانتهت المباراة بفوز فريق الكواكب بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد للفريق الإنجليزي، فكان لذلك أثر بالغ في نفوس الأميرين سعود وفيصل، كما شعر الأمير عبدالله الفيصل بارتياح كبير لنجاح هذه المبادرة، التي لقيت صدى طيباً على المستويين الرسمي والشعبي.
وشكل هذا النجاح حافزاً له لمواصلة مشروعه الإصلاحي، فاستمر في توجيه الفرق الرياضية، والاجتماع بالقائمين عليها، ومناقشة ما يواجههم من صعوبات، والعمل على تهيئة بيئة رياضية قادرة على استيعاب القفزة الكبرى التي كان يخطط لها منذ سنوات.
غير أن هذه المسيرة لم تكن خالية من العقبات؛ ففي خضم هذا الحراك الرياضي المتنامي، برزت اعتراضات من بعض علماء الدين الذين نظروا إلى انتشار الرياضة بين الشباب بعين الريبة وكانوا يحاولون الحد من خطوات الدعم للحركة الرياضية الناشئة.. إلا أن الأمير عبدالله الفيصل ظل ثابتاً على قناعته، مؤمناً بأن الرياضة وسيلة لبناء الإنسان، لا لهدم القيم. فواجه تلك الاعتراضات بالحوار الهادئ، والمنطق المقنع، مستفيداً من ثقافته الواسعة وقدرته على الإقناع، حتى استطاع أن يصحح نظرة كثيرين، ويبدد ما لديهم من تصورات غير دقيقة عن الرياضة وأهدافها. وهكذا واصل مسيرته بثبات، مقترباً يوماً بعد يوم من تحقيق الهدف الكبير الذي رسمه منذ البداية، وهو إرساء دعائم الرياضة السعودية على أسس رسمية وتنظيمية راسخة.
• استقدام أول منتخب مصري
بعد نحو عام واحد فقط من تولي الأمير عبدالله الفيصل – رحمه الله – حقيبتي الداخلية والصحة، بدأت تتبلور لديه رؤية جديدة لتطوير كرة القدم السعودية، تقوم على توسيع دائرة الاحتكاك الفني، بعدما ظلت الفرق المحلية لسنوات طويلة لا تواجه سوى بعضها بعضاً، أو تكتفي بمباريات متفرقة أمام فرق البوارج والسفن البحرية الأجنبية التي ترسو في الموانئ السعودية.
ورأى رائد الرياضة أن الارتقاء بمستوى الكرة السعودية لا يمكن أن يتحقق من دون الاحتكاك بمدارس كروية أكثر تقدماً، فكانت أولى خطواته في هذا الاتجاه التنسيق مع الجهات المختصة في مصر لدعوة منتخب وزارة الصحة المصري لكرة القدم إلى المملكة، لتكون تلك الزيارة أول احتكاك عربي منظم تشهده الملاعب السعودية.
وتولت إجراءات الاستقدام وزارة الصحة المصرية عن طريق مندوبها في المملكة الدكتور محمود عوض، ووصل المنتخب المصري إلى جدة يوم الاثنين 26/7/1371هـ (1951م)، وضمت البعثة نخبة من أبرز نجوم الكرة المصرية آنذاك، وهم: كاتو، وشطارة، والملاح، وصابر، وسيد متولي، والشناوي، وحلمي، وأبو المعاطي، وزكي عثمان، وعبدرب النبي.
وقد حرص الأمير عبدالله الفيصل على أن تضم البعثة أفضل اللاعبين المصريين، حتى تحقق الزيارة أهدافها الفنية، فتتعرف الفرق المحلية والجماهير على المستوى المتقدم الذي بلغته الكرة المصرية، ويستفيد اللاعبون السعوديون من الاحتكاك المباشر بأصحاب الخبرة، في خطوة كانت تمثل نقلة نوعية في مسيرة تطوير اللعبة.
وخاض منتخب وزارة الصحة المصري ثلاث مباريات خلال زيارته للمملكة. وكانت المباراة الأولى أمام منتخب مشترك من الوحدة وأهلي جدة على ملعب الصبان، وانتهت بفوز المنتخب المحلي بهدف دون مقابل. أما المباراة الثانية فجمعته بمنتخب الاتحاد والهلال البحري، وانتهت بفوز المنتخب المصري بهدف دون رد.
وقد حظيت هذه المباريات برعاية الأمير عبدالله الفيصل، وحضرها عدد من أصحاب السمو الأمراء، ووزير مصر المفوض الحسيني الخطيب، إلى جانب السفير الأمريكي، في مشهد عكس ما بدأت تحظى به الرياضة السعودية من اهتمام رسمي ودبلوماسي.
ولم يقتصر اهتمام الأمير عبدالله الفيصل على الجانب الرياضي فحسب، بل امتد إلى حسن الوفادة وتوثيق أواصر الأخوة العربية، إذ استضاف أعضاء البعثة المصرية في فندق البساتين، وأقام لهم حفل تكريم حضره كبار الشخصيات وممثلو الفرق الرياضية، كما وجه بتسهيل إجراءات سفرهم إلى المدينة المنورة لزيارة المسجد النبوي الشريف قبل عودتهم إلى القاهرة، في لفتة كريمة تركت أثراً طيباً في نفوس أفراد البعثة، وعكست ما عُرف به سموه من كرم الضيافة وسمو الأخلاق.





