كتاب الرأي

التفاخر الذي لا يبني مجتمعاً !

الحياة بطبيعتها تتطور، والإنسان تتبدل احتياجاته، والبيئات تتغير، وأساليب العيش تتبدل مع مرور الزمن. بل إن كثيراً من هذه التحولات أسهم في تحسين جودة الحياة، ورفع مستوى الوعي، وتيسير سبل المعيشة.
غير أن الخطر يبدأ حين تختل منظومة القيم، فتصبح المظاهر هي القيمة بذاتها..

من حق الإنسان أن يبني بيتاً يليق به وبأسرته، وأن يفرح بزواج أبنائه، وأن يحتفل بتخرجهم، وأن ينعم بما آتاه الله من فضله. فهذا كله من نعم الله التي لا يُلام عليها أحد. لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس: لماذا بَنى؟ ولا: لماذا احتفل؟ وإنما: لماذا أصبح كثير من الناس يحرصون على أن يرى الآخرون كل ذلك؟، ومتى تحول الفرح بالنعمة إلى الحرص على عرضها أمام الناس للتفاخر؟. والناس تفهم أن المقصود لم يعد أن يرى الناس تلك النعمة أو يسمعوا بها، بل أن تتحول المناسبة كلها إلى مشهدٍ يُصنع للنشر واستجلاب التفاعل والإشادة.

في السنوات الأخيرة، أصبحت كثير من المناسبات ليس لها مناسبة!، ولا تنتهي بانتهاء الحفل، بل تبدأ بعده مباشرة. فتُبث صور البيوت، والموائد، والولائم، وتفاصيل الحضور وأسماء الوفود، وما قيل من كلمات وإشادات، حتى غدا نجاح المناسبة يُقاس بتناقل صورها المختلفة!. ولا يصح أن يُجعل هذا الاستعراض المتكلف مندرجاً تحت قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾؛ فالآية تدعو إلى شكر الله وإظهار فضله، لا إلى التفاخر بالنعم أو جعلها وسيلة لنيل المديح والثناء.

وهنا لا نقف أمام بناء بيت، أو الاحتفال بمناسبة، فكل ذلك حق مشروع، وإنما نقف أمام تغيرٍ في ترتيب الأولويات وأمام خلل في التصرفات التي تعاكس النواميس والعادات.

والخلل أصلاً ليس في بناء البيت، ولا في إظهار النعمة، وإنما في أن تُصاغ المناسبة من البداية لتكون مادةً للعرض والإشادة، لا مناسبةً يُفرح بها في ذاتها. وهذا شيء يفهمه عقلاء الناس..

بيوت الضيافة تبقى جدراناً، سواء عرف الناس تفاصيلها أم لم يعرفوا. والفرح يظل فرحاً، سواء شاهده الآلاف أم اقتصر على أهله وأصحابه. أما حين يصبح الاستعراض أساس المناسبة، فإن السؤال يصبح مشروعاً:
هل ما زالت القيمة في الإنجاز نفسه، أم أصبحت في استعراضه؟

ولا يقف الأمر عند البيوت، بل يمتد إلى كثيرٍ من مظاهر حياتنا. فحفلات التخرج التي كانت لقاءً عائلياً بسيطاً، أصبحت أحياناً سلسلةً من الاحتفالات المكلفة. والزواج الذي كان مناسبةً للفرح، تحول عند بعض الناس إلى سباقٍ دعائي بثمن باهض. والهدايا عند البعض لم تعد تعبيراً عن المودة بقدر ما أصبحت وسيلةً للفت الأنظار.

ترى أحدهم يلقي بشته على كتف شاعرٍ، أو ضيف، أو مادح، ولا يكتفي بالإهداء الصامت، بل يقرنه بالحلف بالطلاق أن تُقبل الهدية، فيقابله الآخر بالحلف بالطلاق ألا يقبلها، في مشهدٍ محرجٍ للطرفين، ومربكٍ للحاضرين. وهذا لونٌ من الاستعراض الذي لا يزيد الفعل قيمة، بل ينتزع منه معناه الأصيل، ويحوّل موقفاً جميلاً إلى مشهدٍ عبثي تتصدره المبالغة على حساب الفضيلة. فلماذا نحول الفضائل إلى مشاهد استعراضية؟!.

وليس المقصود أن يُحاسَب الناس على أموالهم، فكل إنسان أدرى بشؤون حياته، وإنما المقصود أن نسأل أنفسنا سؤالاً صادقاً:
هل كل ما نفعله صواب، وهل أعطينا الأولويات حقها؟
أليس الأبناء والبنات أولى بتلك الأموال وتبني لهم بها شقق سكنية؟
أليست صحة الأبناء، وتعليمهم، وتأهيلهم للمستقبل، أولى بما يُبذل من هذه النفقات؟
وأليس بناء فكر وعقل الإنسان هو الاستثمار الوحيد الذي تزداد قيمته كلما مضت عليه السنون؟
وأليس في مجتمعنا أيتام، وأبناء أسرٍ محدودة الدخل، وشباب يملكون الطموح، لكنهم لا يملكون تكاليف الدراسة، يستحقون أن يجدوا من يأخذ بأيديهم؟

تخيلوا لو أن كل من وسع الله عليه، جعل مع كل مناسبةٍ كبيرة مشروعاً لأربعة أشخاص.
طالباً متفوقاً من أسرةٍ محتاجة يتكفل بتعليمه حتى يتخرج.
أو يتيماً يحتضنه حتى يقف على قدميه.
أو شاباً طموحاً يعجز عن إكمال دراسته فيجد من يؤمن له مستقبله. ليس دعماً لمؤسسة، وإنما استثماراً في إنسان محتاج.

وأيُّ الصورتين أبقى أثراً وأعظم أجراً؟
صورةُ مائدةٍ امتلأت واحتفال لساعات ثم انفضَّ الناس عنها؟
أم طبيبٍ عاد يخدم وطنه، لأنه وجد من وقف معه؟
أو مهندسٍ أسهم في رفع قيمة عائلته ونهضة بلاده؟
أو معلمٍ ربّى أجيالاً؟
أو يتيماً تغيرت حياته لأن أحدهم قرر أن يجعل منه إنسانٍ آخر؟

إن الأمم لا تُقاس بحجم ما تنفقه على المناسبات، بل بما تستثمره في الإنسان. فالإنسان هو المشروع الوحيد الذي يظل عطاؤه ينمو بعد أن ينتهي المال.

اليوم وسائل التواصل الاجتماعي، على ما فيها من فوائد، أسهمت في تكريس ثقافةٍ جديدة، أصبح فيها بعض الناس يشعر أن العمل لا يكتمل إلا إذا صُوِّر، وأن الإنجاز لا يكتمل إلا إذا شاهده الآخرون. ومع مرور الوقت، بدأ كثيرون يقيسون النجاح بما يُنشر عنهم، لا بما يتركونه من أثر طيب.

والقلق الحقيقي يكمن هنا. ليس لأن الناس يبنون، أو يحتفلون، أو يفرحون، وإنما لأن أبناءنا قد يتعلمون من حيث لا نشعر أن قيمة الإنسان هي فيما يستعرض به ويلفت به الأنظار، لا فيما يصنعه ويتعلمه.

ولو أعدنا ترتيب أولوياتنا، فلن نخسر شيئاً من أفراحنا، بل سنمنحها معنىً أعمق.
سيظل البيت مسكناً.
وسيظل الزواج فرحاً.
وسيظل التخرج مناسبةً جميلة.
لكن سيكون إلى جانب كل ذلك إنسانٌ مستحق وجد فرصةً للحياة، وطالبٌ أكمل تعليمه، ويتيمٌ شعر أن المجتمع لم يتجاهله.
فما الإنفاق على المظاهر ينتهي أثره بانتهاء المناسبة، أما ما يُنفق على الإنسان، فإنه يمتد إلى أسرته، ومجتمعه، ووطنه، وربما إلى أجيالٍ لم تولد بعد.

والشيء الذي يستحق أن يبقى حاضراً في أذهاننا:
حين نغادر هذه الحياة، لن يتذكر الناس عدد الولائم التي أقمناها، ولا حجم البيوت التي استعرضناها، لكنهم سيتذكرون طالباً وجد من يؤمن بتعليمه، ويتيماً وجد من يأخذ بيده، ومريضاً وجد من يخفف عنه، وأبناءً أحسن آباؤهم الاستثمار في عقولهم وتربيتهم وتعليمهم قبل أن يستثمروا في صور مناسباتهم أمام الناس.
المجتمعات لا تبنيها الجدران وحدها، ولا الولائم، ولا ما يُعرض على الشاشات؛ وإنما يبنيها الإنسان، حين يصبح هو الأولوية قبل كل شيء.

ولو أن كل مقتدر جعل مع كل مناسبةٍ كبيرة مشروعاً صغيراً لإنسانٍ محتاج؛ طالباً يتكفل بتعليمه، أو يتيماً يأخذ بيده، أو شاباً يساعده حتى يقف على قدميه، لكانت أفراحنا أجمل، ولأصبح أثرها أبقى في الدنيا، وأرجى ثواباً عند الله.

 

اللواء م. عبدالله غانم القحطاني

لواء طيار ركن باحث دراسات أمنية وأستراتيجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى