إن العالم من حولنا لم يعد يقيس ثروات الأمم بما تختزن أرضها من ثروات طبيعة، بل بما يختزنه عقول أبنائها من معرفة؛ فالمعرفة اليوم هي المورد الأهم في تشكيل الاقتصاد العالمي، والأمم التي أدركت ذلك مبكراً هي التي تتصدر اليوم موازين القوة والتنافس.
وفي قلب هذا التحول تقف الجامعات شاهداً حياً على أنها لم تعد قاعات درسٍ ومدرجات، بل أصبحت محركاً للإقتصاد والتنمية ومصنعاً للثروة.
فجامعة ستانفورد، كانت الرحم الذي وُلد منه وادي السيليكون بشركاته التي غيًرت وجه العالم.
ومعهد (MIT)، قام خريجوه بإنشأ آلاف الشركات التي تشير الدراسات إلى أن عوائدها المالية تضاهي اقتصادات دول كبرى.
والأمر نفسه بالنسبة لجامعة أكسفورد، وكامبريدج، وهارفرد، قامت جميعها ببناء أوقافاً، وأستثمارات ضخمة، جعلتها مؤسسات مستقلة في مواردها المالية، منفقة على أبحاثها العلمية، من ريع مواردها الذاتية.
إن الجامعات العظيمة كما أطلق عليها عالم علم الاجتماع الأمريكي “جوناثون كول” في كتابه “الجامعات الأمريكية العظيمة”، هي التي تنتج المعرفة، وتحولها إلى براءات اختراع، وتسوقها عن طريق شركاتها الناشئة، لا تلك التي تكتفي بتلقين طلابها المعرفة.
إن التاريخ مليء بقادة أمنوا بأن الإستثمار في الإنسان هو أقصر طريق لبناء دول قوية، ولقد أحدث هؤلاء القادة نقلات نوعية عبر نشر المعرفة، وبناء المدارس والجامعات، ودعم الابتكار، مما حول بلدانهم من الفقر إلى مصاف الدول المتقدمة.
ولقد أجاب التاريخ الحديث عن سؤال المرحلةِ هذهِ بسِيَر لعدد من هؤلاء القادةٍ الذين
أمنوا بأن “العقول أثمن من الحقول”، وأن أعظم ثروةٍ تملكها أي أمة هي تلك التي تمشي على قدمين إلى المدارس، والمعاهد، والجامعات كل صباح.
فتقرير “أمة في خطر” ((A Nation at Risk هو وثيقة تاريخية لإصلاح التعليم صدرت رسمياً في أمريكا خلال فترة ولاية الرئيس الأمريكي “رونالد ريغان” عام 1983م.
أعدًت هذا التقرير اللجنة الوطنية للتميز التربوي، وكان بمثابة جرس إنذار هزً المجتمع الأمريكي، يشير إلى أن تأخر المناهج وضعف جودة التدريس، يهددان مستقبل الأجيال الأمريكية القادمة، مما جعل تطوير التعليم هو الخطوة الأولى والأهم لإنقاذ الأمة الأمريكية.
وهذا “لي كوان”، يتسلم “سينغافورا” عام 1965م، جزيرة صغيرة لا تكاد تُرى على الخريطة، لا نفط فيها ولا معادن ولا ماء يكفي سكانها، وقد تخلى عنها القريب قبل البعيد، فلم ييأس ولم يستكن، بل وقف يقول لشعبه ما معناه: “ليس لنا من موردٍ إلا ما بين أذاننا من عقول؛ فجعل التعليم والمعلم قضيته الأولى”.
يقول “لي كوان” في كتابه “قصة سنغافورة”: “أنا لم أقم بمعجزة، فقط قلت للمعلمين أنا أبني الوطن وعليكم بناء المواطن، فالمعلم هو من صنع المعجزة، هو من أنتج جيلاً يحب العلم والأخلاق، بعد أن كنا شعباً يشتم بعضه في الشوارع”.
أنفق “لي كوان”، على التعليم إنفاق الواثق أن كل دولار في العلم يعود أضعافاً، فإذا بالجزيرة التي كانت مستنقعات وأكواخاً تصبح في جيلٍ واحدٍ من أغنى دول العالم وأنظفها وأكثرها ابتكاراً، وإذا بجامعاتها الوطنية تزاحم أعرق الجامعات في الصدارة.
وهذا رئيس وزراء ماليزيا الأسبق “مهاتير محمد” الطبيب الذي جاء من قريةٍ متواضعة في أقصى الملايو، أدرك أن القصدير والمطاط لن يصنعا لأمته مستقبلاً، فأطلق رؤيتها 2020 وممرها التقني الرائد، وبعث بعشرات الآلاف من أبنائها يطلبون العلم في جامعات الشرق والغرب على ألا ينسوا طريق العودة، فعادوا مهندسين، وأطباء، وعلماء، حًوًلوا بلداً زراعياً إلى قوةٍ صناعية كبرى تنتج وتصدًر، وينظر إليها العالم الإسلامي بإكبار، شاهدةً على أن النهضة قرارٌ قبل أن يكون إمكانات.
وتلك كوريا الجنوبية تخرج من ركام الحرب في خمسينيات القرن الماضي وهي من أفقر بلدان الأرض، يعينها القريب ويتصدق عليها البعيد، فلم تجد ما تراهن عليه إلا التعليم؛ أمنت الأمهات هناك بأن تعليم الأبناء أمرٌ مقدس، فإذا بالبلد الذي كان يستورد رغيفه يصدر اليوم للعالم رقائقه وسياراته وسفنه وتقنياته، وما بين الفقر المدقع والصدارة العالمية لم يكن إلا جيلٌ واحد قرر أن يتعلم.
فإذا كان التاريخ قد سجًل لتلك الأمم قادتها، فإن التاريخ يُكتب اليوم بين أيدينا، ونحن شهوده وصُنًاعه؛ فمن قلب هذه الأرض المباركة، مهبط الوحي وقبلة المسلمين، أنطلق صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد -حفظه الله- شابًا يحمل طموح شعبٍ بأكمله، فأعلن رؤية المملكة العربية السعودية 2030 وقالها مدوًيةً أمام العالم أجمع: (طموحنا عنان السماء).

