المقالات

من كليات التربية تبدأ نهضة الأمم!!

ليست نهضة الأمم وليدة الصدفة، وإنما تبدأ من المدرسة، والمدرسة تبدأ من المعلم، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تجعل الدول المتقدمة اختيار المعلم قضية وطنية، لا مجرد إجراء إداري فقط.

فعندما صدر التقرير الأمريكي الشهير “أمة في خطر”، عام 1983 م، جاء فيه تحذير صريح من أن مهنة التدريس لم تعد تجذب العدد الكافي من الطلاب المتفوقين أكاديمياً، وأن استمرار هذا الوضع يهدد مستقبل التعليم والاقتصاد الأمريكي معاً.

دفع هذا التقرير الولايات المتحدة إلى مراجعة برامج إعداد المعلمين ورفع معايير القبول في كليات التربية وجعلها أكثر صعوبة لجذب الطلاب الأكفاء، فقدمت أمريكا بذلك أنموذجاً تعليماً منافساً، ومحققاً لاحتياجات سوق العمل.

لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية وحدها من أدركت هذه الحقيقة؛ ففنلندا لا تقبل إلا نسبة محدودة من المتقدمين لكليات التربية بعد اختبارات دقيقة ومقابلات شخصية، وأصبحت مهنة التعليم في فنلندا من أكثر المهن احتراماً.

أما سنغافورا فقد بنت نهضتها التعليمية على اختيار أفضل الخريجين، ومنحتهم إعداداً عالياً من الجودة، ورواتب تنافسية، ومساراً مهنياً واضحاً.

وفي كوريا الجنوبية ينظر إلى المعلم بوصفه أحد أهم صناع المستقبل، ولذلك تستقطب كليات التربية في كوريا الجنوبية نخبة الطلاب من خريجي المرحلة الثانوية.

وتؤكد دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ((OECD، أن جودة أي نظام تعليمي لا يمكن أن تتجاوز جودة معلميه، وأن الاستثمار في اختيار المعلم وتأهيله يحقق أعظم عائد اقتصادي واجتماعي على المدى الطويل.

أن التحدي الحقيقي ليس في زيادة أعداد المقبولين في كليات التربية، بل في استقطاب أصحاب الكفاءة والموهبة والقدرة على التفكير والإلهام، فالمعلم الذي يصنع طبيباً ومهندساً وقاضياً وباحثاً هو الاستثمار الأكثر ربحاً لأي دولة.

وفي المملكة العربية السعودية، ومع الطموحات الكبيرة لرؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -يحفظه الله- تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى مراجعة معايير القبول في كليات التربية في الجامعات السعودية، وتعزيز مكانة المعلم، وجعل هذه الكليات مقصداً لأفضل العقول، لأن بناء الإنسان هو الأساس في بناء الوطن.

أن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس هو: كم عدد المقبولين في كليا التربية؟ بل يجب أن يكون: من هم الذين يستحقون أن يحملوا رسالة التعليم؟ فهنا تبدأ نهضة الأمم، وهنا يُصنع المستقبل لها.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى