لم تكن نهضة الولايات المتحدة وليدة الصدفة، بل كانت ثمرة استثمار طويل في الجامعات والبحث العلمي. فبينما بدأت جامعات مثل هارفارد وييل وبرنستون وكولومبيا بتوفير التعليم العالي، شكّل تأسيس جامعة جونز هوبكنز عام 1876 نقطة تحول حقيقية؛ إذ رسخت مفهوم «الجامعة البحثية» التي لا تكتفي بتخريج الطلاب، بل تنتج المعرفة وتحوّلها إلى ابتكار وصناعة واقتصاد.
اعتمد هذا النموذج على الربط بين التعليم والبحث العلمي، واستقطاب أفضل العقول، وتوفير التمويل السخي للباحثين والطلاب الموهوبين. لذلك أصبحت الجامعات الأمريكية محركات للتقدم، وأسهمت بصورة مباشرة في الابتكار وبراءات الاختراع ونشوء الصناعات الحديثة، حتى غدت إحدى أهم ركائز القوة الاقتصادية والعلمية للولايات المتحدة.
وقد استفادت أمريكا في بداياتها من النموذج الألماني في التعليم العالي، ثم طوّرته حتى تفوقت عليه. وكان لقيادات جامعية بارزة، مثل دانيال جيلمان وتشارلز وليام إليوت، دور محوري في تحويل الجامعة إلى مؤسسة منتجة للمعرفة. كما أسهم رجال أعمال كبار، مثل جونز هوبكنز وروكفلر وكارنيجي، في دعم الجامعات بأوقاف وتبرعات ضخمة، إيماناً بأن الاستثمار في العلم هو الاستثمار الأكثر استدامة.
وليس من المصادفة أن تتصدر الجامعات الأمريكية التصنيفات العالمية، وأن تكون شريكاً رئيسياً في الاقتصاد الوطني. فالتقدم الصناعي والتقني لا ينفصل عن المختبرات الجامعية، ولا عن منظومة البحث والابتكار.
واليوم تسعى الصين إلى تكرار هذه التجربة عبر استقطاب العلماء وتعزيز البحث العلمي، إدراكاً منها أن المنافسة العالمية تبدأ من الجامعات قبل أن تصل إلى الأسواق.
إن الدرس الأهم الذي تقدمه هذه التجربة هو أن بناء الجامعات البحثية ليس مشروعاً تعليمياً فحسب، بل مشروع حضاري واستراتيجي. فالدول التي تجعل جامعاتها مصانع للأفكار ومراكز للاكتشاف والابتكار، هي الأقدر على قيادة المستقبل وصناعة التنمية المستدامة.
لقد أثبت التاريخ أن الثروة قد تُكتسب، والقوة العسكرية قد تُبنى، لكن التفوق الدائم لا يتحقق إلا بالعلم. ولذلك تبقى الحقيقة الخالدة: من يملك العلم، يملك العالم.


