المقالات

«الأمن التنموي»: المحرك الفعلي للاقتصاد والسيادة الرقمية

في مفهوم نظريات الفكر الادبي والثقافي، ظل المفهوم السائد للوظيفة الأمنية يتمثل في حفظ النظام، درء الجريمة، والاستجابة لأي طارئ. كانت تلك النظرية تنظر للأمن باعتباره “حماية ووقاية ” أو قطاعاً خدمياً لا غنى عنه. غير أن ما شهدته المملكة في السنوات الأخيرة ولله الحمد يتجاوز مفهوم الهيكلة الإدارية، إلى إعادة تعريف أصل الفلسفة الأمنية برمتها، ليصبح القطاع الأمني هو “المُمكّن الأول” الذي تتكئ عليه استثمارات الرؤية.

وقد جاء هذا التحول تجسيداً لرؤية قيادية حاسمة لخصها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله حين أكد أن الأمن هو الركيزة الأساسية لكل تقدم وازدهار. واليوم، يتجلى هذا المفهوم فيما يمكن تسميته بـ «الأمن التنموي» فالحفاظ على المكتسبات أصبح الحامي الافتراضي للاستثمارات التي تتدفق في شريان الاقتصاد الرقمي، والضامن للبيئة الفكرية التي تستقطب العقول العالمية.

حين تقرر شركة عالمية نقل مقراتها الإقليمية إلى الرياض، أو يضخ مستثمر أجنبي أمواله في مشاريع عملاقة، فإن التساؤل الأول لا يتعلق فقط بالتسهيلات الضريبية، بل بمدى أمان هذه البيئة. وهنا تتحدث الأرقام قبل الشعارات فققد تُوّجت المملكة بالمرتبة الأولى عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني ضمن تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD) إلى جانب تحقيقها المركز الأول عربياً والثاني عالمياً في المؤشر العالمي للأمن السيبراني الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU). هذا الحضور ليس مجرد حماية تقنية، بل هو “بطاقة أمان” تجعل السيادة الرقمية استثماراً جاذباً وليست مجرد إجراءات احترازية.

وعلى الضفة الأخرى، لا يمكن فصل الاقتصاد عن مناخ الاستقرار الفكري والمجتمعي. رأس المال والعقول المبدعة تفر دائماً من بيئات التشدد وعدم الاستقرار. ومن هنا، فإن تجفيف منابع الفكر المتطرف وتعزيز قيم الاعتدال كان التوجه الاقتصادي الأكثر حسمًا لتأمين بيئة استثمارية جاذبة ومستقرة على المدى الطويل.

ولم تكن هذه البيئة الآمنة مجرد انطباع محلي، بل تأكدت بشهادات دولية موثوقة حيث تصدرت المملكة دول مجموعة العشرين (G20) وحلت في المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر الأمن والسلامة وشعور الأفراد بالأمان (وفق تقرير مؤسسة “غالوب” العالمية للمؤشرات الأمنية)، إلى جانب تحقيقها المراتب الأولى في التنافسية الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة والأمن الميداني. هذه الأرقام تمنح المستثمر والسائح والزائر رسالة حاسمة بأن الأمان في المملكة ليس مجرد شعار، بل واقع ملموس ترسخه دولة القانون وحزم المنظومة الأمنية.

إن تفوق نموذج الاستقرار السعودي الذي نعيشه اليوم هو المنتج الأساسي الذي يُعرض على الخارطة الدولية لتشجيع السياحة والاستثمار وبناء الشراكات. لا أمن يستدام دون اقتصاد قوي يغذيه، ولا اقتصاد يزدهر في بيئة مُقلقة؛ فالأمن اليوم لم يعد يتوقف عند حدود حماية المنجزات، بل أصبح المحرك الذي يصنعها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى