حين تتحول أراضي دولة عربية إلى منصة لاستهداف دولة عربية أخرى، فإن القضية لا تعود مجرد حادثة أمنية، بل تصبح اختباراً حقيقياً لمعنى السيادة، ولمدى قدرة النظام العربي على حماية أمنه الجماعي .
لم يكن البيان الصادر عن وزارة الخارجية السعودية مجرد توضيح لموقف سياسي، بل كان رسالة تتجاوز حدود الحدث، وتطرح سؤالاً مصيرياً على العالم العربي بأسره:
كيف وصلت المنطقة إلى مرحلة تستطيع فيها ميليشيات مرتبطة بدولة غير عربية أن تستخدم أراضي دولة عربية للاعتداء على دولة عربية أخرى؟
هذا السؤال لا يخص المملكة وحدها، ولا العراق وحده، بل يخص كل دولة تؤمن بأن السيادة ليست شعاراً، وإنما مسؤولية، وأن الأمن العربي لا يمكن أن يبقى رهينة لتنظيمات مسلحة تدين بالولاء لجهات خارج حدود أوطانها.
إن أخطر ما في المشهد ليس إطلاق طائرات مسيرة، بل إطلاق مشروع كامل يقوم على إضعاف الدولة الوطنية، وإحلال الميليشيا مكان المؤسسة، والولاء الخارجي مكان الانتماء الوطني. وعندما تصبح قرارات الحرب والسلم بيد جماعات مسلحة لا تخضع للدستور ولا للحكومة، فإننا لا نكون أمام أزمة أمنية عابرة، بل أمام تهديد مباشر للنظام العربي كله.
لقد تأسست جامعة الدول العربية لحماية المصالح العربية المشتركة، وتعزيز التضامن بين الدول الأعضاء، والدفاع عن سيادتها واستقلالها.
وإذا كانت الجامعة قد أُنشئت لحماية الأمن العربي المشترك، فإن التحدي الحقيقي اليوم هو الانتقال من بيانات التضامن إلى صناعة موقف عربي قادر على حماية سيادة الدول الأعضاء.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
أين العمل العربي المشترك عندما تتحول أراضي دولة عربية إلى منصة لاستهداف دولة عربية أخرى؟
وأين المواقف العربية الموحدة عندما تصبح الميليشيات العابرة للحدود أقوى من سلطة الدولة في بعض البلدان؟
إن الصمت في مثل هذه القضايا لا يصنع سلاماً، بل يمنح مشاريع الفوضى مساحة أكبر للتمدد. فالتجارب أثبتت أن الميليشيات لا تقف عند حدود دولة، ولا تكتفي بجبهة واحدة، بل تتوسع كلما وجدت فراغاً سياسياً أو تردداً في المواجهة.
ولا يمكن تجاهل حقيقة واضحة؛ فإيران دولة غير عربية، لها مشروعها الإقليمي ورؤيتها ومصالحها، ومن حقها أن تسعى إلى مصالحها وفق القانون الدولي. لكن ليس من حق أي دولة، أياً كانت، أن تجعل من أراضي دولة عربية منصةً لتنفيذ أجنداتها أو تهديد أمن دولة عربية أخرى عبر جماعات مسلحة تدين لها بالولاء.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:
كيف أصبحت دولة غير عربية قادرة على التأثير في القرار الأمني داخل بعض الدول العربية، بينما تقف المنظومة العربية عاجزة عن حماية أمنها الجماعي؟
إن القضية ليست خلافاً سياسياً بين دولتين، وإنما دفاع عن مبدأ أساسي هو أن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة وحدها، وأن القرار السيادي يجب أن يصنع داخل العواصم العربية، لا في غرف عمليات الميليشيات، ولا في عواصم خارج الإقليم.
لقد أكد وزارة الخارجية في المملكة العربية السعودية أن المملكة لا تسعى إلى التصعيد، لكنها تحتفظ بحقها المشروع في الدفاع عن أمنها وفق القانون الدولي. وهذه ليست رسالة قوة فحسب، بل رسالة تؤكد أن أمن الدول لا يقبل الابتزاز، وأن حماية المواطنين والمنشآت مسؤولية لا يمكن التهاون فيها.
لكن الرد العسكري، مهما كان مشروعاً، يبقى معالجة لنتيجة المشكلة، أما أصل المشكلة فهو استمرار وجود جماعات مسلحة تعمل خارج سلطة الدولة، وتتحرك وفق أجندات خارجية، وتستخدم أراضي الدول العربية لتهديد أشقائها.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس بيانات إدانة، بل مشروع عربي حقيقي يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية، ويجعل سيادة الدول العربية خطاً أحمر لا تسمح أي دولة عربية بتجاوزه.
فلا أمن عربياً مع وجود ميليشيات موازية للجيوش.
ولا استقرار مع وجود ولاءات تتجاوز حدود الأوطان.
ولا مستقبل للعمل العربي المشترك إذا بقيت بعض العواصم العربية ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
لقد آن الأوان لأن تقول الدول العربية بصوت واحد:
لا مكان في العالم العربي لأي سلاح خارج سلطة الدولة، ولا شرعية لأي جماعة تتلقى أوامرها من خارج حدود وطنها، ولا يمكن القبول بأن تتحول أي أرض عربية إلى منصة للاعتداء على دولة عربية أخرى.
فحماية الأمن العربي ليست مسؤولية دولة واحدة، بل مسؤولية جماعية، وإذا لم يدافع العرب عن سيادة دولهم اليوم، فقد يجدون أنفسهم غداً يدافعون عن ما تبقى من أوطانهم.






