قبل عدة أيام، تشرفت بحضور حفل ” فرحة خريج ” الذي رعاه صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز، أمير المنطقة الشرقية، لتخريج (578) طالباً وطالبة من الأيتام والأرامل المستفيدين من برامج جمعية بناء لرعاية الأيتام بالمنطقة الشرقية . ولم يكن مشهد الحفل منصّة تكريم، بل كان لوحة وطنية وإنسانية متكاملة، اجتمع فيها الوفاء بالقيادة، والإيمان بالإنسان، والاستثمار الحقيقي في المستقبل.
في ذلك اليوم، لم تكن الابتسامات التي ارتسمت على وجوه الخريجين عادية، بل كانت ثمرة سنوات طويلة من الرعاية والاحتضان، ومن العمل المؤسّسي المنظّم الذي آمن بأن اليتيم لا يحتاج إلى الإحسان بقدر ما يحتاج إلى الفرصة، وأن تمكين الإنسان هو أعظم أشكال العطاء.
لقد أكـدت رعاية سمـو أمير المنطقة الشرقية للحفـــل أن القيادة الرشيدة – حفظها الله – لا تنظر إلى الأيتام باعتبارهم فئة تحتاج إلى الرعاية فحسب، وإنما باعتبارهم طاقات وطنية تستحق أن تُصنع لها الفرص، وأن تُهيأ لها أسباب النجاح، وأن تكون شريكاً في مسيرة التنمية الوطنية التي تقودها رؤية المملكة 2030.
وما لفت انتباهي في الحفل قصص نجاح حقيقية. فخلف كل خريج قصة كفاح، وخلف كل شهادة رحلة تحد، وخلف كل أم مشاركة في برامج التمكين سنوات من الصبر والعمل حتى وصلت إلى هذه اللحظة التي ترى فيها أبناءها يعبرون إلى مستقبل أكثر إشراقاً.
ولعل أجمل ما يميّز جمعية بناء أنها لم تجعل رسالتها مقتصرة على تقديم المساعدة، بل تجاوزت ذلك إلى صناعة الإنسان. فهي تؤمن بأن التنمية تبدأ بالتعليم، وأن الاستقرار يبدأ بتمكين الأسرة، وأن الاستثمار الحقيقي هو في العقول قبل أي شيء آخر.
ومن يتأمل مسيرة هذه الجمعية منذ تأسيسها عام 2010 يدرك أن ما تحقق اليوم لم يكن وليد الصدفة، وإنما نتيجة رؤية واضحة، وقيادة مؤمنة، وعمل مؤسّسي متراكم.
ويقف خلف هذه المسيرة صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبدالعزيز، رئيس مجلس إدارة الجمعية ومؤسّسها، الذي آمن منذ البداية بأن رعاية اليتيم ليست مشروعاً خيرياً مؤقتاً، وإنما مشروع وطني وإنساني لبناء الإنسان الذي يشارك في بناء المستقبل.
لقد استطاع سموه أن يرسم للجمعية هوية مختلفة، تقوم على الانتقال من مفهوم الرعاية التقليدية إلى مفهوم التمكين المستدام، بحيث يصبح اليتيم قادراً على صناعة مستقبله بنفسه، وأن تتحول الأسرة من الاحتياج إلى الإنتاج، ومن الاعتماد على الغير إلى الاعتماد على الذات.
وهذه الرؤية المتقدمة هي التي جعلت جمعية بناء نموذجاً وطنياً يحتذى به في العمل التنموي، حيث لم تقتصر برامجها على الدعم المالي، بل امتدت إلى التعليم، والتأهيل، والتدريب، والابتعاث، والتمكين المهني، وبناء الشخصية، وتطوير المهارات، وفتح آفاق المستقبل أمام المستفيدين.
ولعل من أعظم صور النجاح أن ترى أبناء الجمعية يتخرجون في تخصصات نوعية يحتاجها سوق العمل، مثل الأمن السيبراني، والهندسة، والتقنية، والعلوم الطبية، وأن يحقق عدد منهم مراتب الشرف والتفوق الأكاديمي، في رسالة واضحة تؤكد أن الاستثمار في الإنسان لا يخيب أبداً.
كما أن برنامج تمكين أمهات الأيتام يمثل نموذجاً حضارياً يستحق الإشادة، لأنه ينطلق من حقيقة اجتماعية مهمة مفادها أن تمكين الأم هو الطريق الأقصر لبناء أسرة مستقرة، وأن الأسرة القوية تصنع أبناء أقوياء قادرين على النجاح والعطاء.
وخلال الحفل، لم أكن أرى مجرد خريجين يحتفلون بشهاداتهم، بل كنت أرى جيلاً جديداً من الشباب والفتيات الذين يحملون في أعينهم طموحات كبيرة، ويؤمنون بأن المجتمع منحهم فرصة، وأن عليهم أن يردوا الجميل لوطنهم من خلال العمل والتميّز والإبداع.
وهذا هو المعنى الحقيقي للعمل الخيري الحديث؛ أن يصنع إنساناً منتجاً، لا مستفيداً فقط، وأن يحول الدعم إلى إنجاز، والمساندة إلى استقلال، والعطاء إلى أثر مستدام.
لقد أثبتت جمعية بناء خلال سنوات عملها أن الجمعيات الأهلية عندما تُدار بفكر استراتيجي، وقيادة واعية، ورؤية تنموية، فإنها تتحول إلى مصانع للأمل، ومدارس للحياة، ومنصات لصناعة النجاح.
اختارت جمعية بناء أن تتنافس على جودة الأثر، وعلى صناعة قصص النجاح، وعلى تحويل كل يتيم إلى مشروع قائد، وكل أسرة إلى قصة استقرار، وكل خريج إلى إضافة حقيقية لوطنه.
إن ما شاهدناه في حفل فرحة خريج لم يكن احتفالاً بانتهاء مرحلة دراسية، بل كان احتفالاً بانتصار الإرادة على الظروف، وبقدرة المجتمع على احتضان أبنائه، وبنجاح الشراكة بين القيادة، والقطاع غير الربحي، والمؤسسات التعليمية، والداعمين، في صناعة مستقبل أكثر إشراقاً.
كل الشكر والتقدير لصاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز على دعمه الدائم للمبادرات الإنسانية والتنموية، وكل الشكر والتقدير لصاحب السمو الملكي الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبدالعزيز، الذي أسس هذا الصرح ، وجعل من رعاية الأيتام مشروعاً وطنياً قائماً على العلم والتمكين وبناء الإنسان، حتى أصبحت جمعية بناء واحدة من أبرز النماذج السعودية الرائدة في العمل التنموي المستدام.

وسيظل نجاح هذه الجمعية شاهداً على أن أعظم الاستثمارات ليست في المال، وإنما في الإنسان. فحين نمنح الإنسان فرصة عادلة، ونؤمن بقدراته، ونحيطه بالرعاية والتمكين، فإنه يصبح قادراً على صناعة مستقبله، والإسهام في نهضة وطنه، ورد الجميل لمجتمعه.
وهكذا تُبنى الأوطان .. بالعلم، والإنسان، والقيادات التي تؤمن بأن أعظم إرث يمكن أن يتركه الإنسان هو أن يصنع مستقبلاً أفضل للآخرين.





