تحوّل العراق خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على أيران إلى ساحة متقدّمة لإيران، بعدما فقدت الدولة قدرتها على ضبط الفصائل المسلحة التي تتحرك وفق حسابات اقليمية لا تمت بصلة للقرار الوطني العراقي. ومع الهجمات التي تعرضت لها المملكة العربية السعودية مؤخراً، اتضح أن الجغرافيا العراقية لم تعد مجرد مساحة مضطربة، بل منصة إطلاق لرسائل عسكرية تتجاوز حدود بغداد وتضع أمن الخليج أمام معادلة جديدة تتداخل فيها أدوار الوكلاء مع هشاشة الدولة.
وزارة الدفاع السعودية أعلنت اعتراض وتدمير طائرات مسيّرة حاولت استهداف منشآت بترولية في المنطقة الشرقية ومدينة الرياض، مؤكدة أن الهجمات انطلقت من الأراضي العراقية ونفذتها فصائل موالية لإيران. وتكررت المحاولة في اليوم التالي، وهو ما دفع الرياض إلى مطالبة بغداد بضمان عدم استخدام أراضيها منطلقاً للعدوان. وأشارت تقارير صحفية، بينها ما نشرته وول ستريت جورنال، إلى أن نحو نصف الهجمات في هذه الموجة جاء من العمق العراقي، في مؤشر على أن الفصائل المرتبطة بطهران باتت تتحرك بحرية تتجاوز قدرة الدولة على الردع.
أمام هذا الواقع، جاء الرد السعودي الأمريكي بصيغة مختلفة عن الاعتراضات الدفاعية المعتادة. فبعد استنفاد المسارات الدبلوماسية، نفذت المملكة ضربات نوعية بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية، استهدفت مواقع لوجستية ومستودعات أسلحة لفصائل موالية لإيران في شرق العراق، خصوصاً في البصرة حيث أصيب مقر عمليات تابع لهيئة الحشد الشعبي. واستندت الرياض في بيانها إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل حق الدفاع الشرعي، مؤكدة أنها لا تسعى إلى التصعيد، بل ترد على أي اعتداء يطال أراضيها. هذا الرد حمل رسالة سياسية واضحة: معاقبة الوكيل الايراني دون المساس بالدولة العراقية أو مؤسساتها، في تعبير عن فهم سعودي دقيق لمعادلة الأمن الاقليمي.
الأزمة البنيوية في العراق بدت أكثر وضوحاً مع هذه التطورات. فالدولة الرسمية عاجزة عن ضبط السلاح المنفلت، والفصائل المسلحة تتحرك وفق حسابات إيرانية لا عراقية. هيئة الحشد الشعبي سارعت إلى نفي مسؤوليتها عن الهجمات، ملمحة إلى دور الحوثيين، رغم إدراكها حجم الاختراق الذي تمارسه الفصائل المارقة تحت مظلتها. فصيل يتبرأ من فعل ويُقصف بسببه؛ تلك هي الصورة المختصرة لأزمة السيادة العراقية، حيث يغيب الخط الفاصل بين قرار الدولة وقرار الفصائل، فتتحول الجغرافيا إلى ساحة مفتوحة لكل من يريد إرسال رسالة إلى الرياض أو واشنطن عبر شبكات الوكلاء الإيرانيين.
السلوك السعودي في هذه الأزمة قدّم نموذجاً لضبط النفس المشروط. فالمملكة وثّقت نمطاً متصاعداً من الاستهدافات القادمة من الأجواء العراقية، لكنها لم تنتقل إلى الرد العسكري إلا بعد استنفاد الدبلوماسية، ثم حرصت على التنسيق مع واشنطن وحصر الاستهداف في مواقع محددة. وهذا التمييز بين الدولة والوكيل الفاعل جعل الرد جزءاً من استراتيجية أوسع لحماية استقرار الخليج دون توسيع دائرة الفوضى، وهو ما يفسر إعلان مجلس التعاون تضامنه الكامل مع المملكة. فالأمن الخليجي اليوم لا يُقاس فقط بقدرة الدول على حماية حدودها، بل بقدرة الدول المجاورة على ضبط أمنها الداخلي ومنع تحول أراضيها إلى منصات إطلاق، وهي معادلة ترتبط مباشرة بفكرة الأمن الخليجي المشترك.
ويبقى السؤال المركزي: هل يستطيع العراق استعادة سيادته الكاملة على قراره الأمني، أم أن الفراغ البنيوي بين الدولة والفصائل سيستمر في تحويل جغرافيته إلى ساحة استنزاف؟، والإجابة لا تُصاغ في بيان دفاعي، بل في مسار طويل يتطلب قراراً سيادياً بحصر السلاح بيد الدولة، وتوافقاً سياسياً داخلياً، ودعماً اقليمياً ودولياً يبقي الخيار السياسي حاضراً قبل أن تُحسم المعادلة بالنار وحدها. وهو مسار يمكن بحثه ضمن إطار خطة إصلاح أمني عراقي.
ختاماً..
ما جرى بين نهاية يوليو وأيامه الأخيرة ليس حادثة عابرة، بل مؤشر تراكمي على أن معضلة السيادة العراقية باتت جوهر الأمن الاقليمي بأسره. فحين تتحول أرض دولة إلى منصة إطلاق لحرب لا قرار لها فيها، يصبح استقرار الخليج مرهوناً بقدرة بغداد على استعادة قرارها الوطني. والمملكة، وهي تمارس حقها المشروع في الدفاع عن النفس، تظل الصوت الأكثر حرصاً على أن يبقى العراق دولة موحدة السيادة لا ساحة مفتوحة للاستخدام، لأن استقرار بغداد هو استقرار الرياض والخليج معاً.
{رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}





