المقالات

ميسان.. عروس الجبال التي تحرس كنوزها المهدرة

حين يُذكر اسم “ميسان”، يتبادر إلى الذهن سحر السحاب الذي يعانق جبال السروات، والمدرجات الزراعية العتيقة، وعبق أشجارها ورياحين أزهارها وجودة ثمارها وشفاء أعسالها. لكن خلف هذه الصورة السياحية المعتادة، تتكشف الحاجة الملحة لتجاوز النمط الاستثمار التقليدي الذي يتعامل مع مقومات ميسان كفرص موسمية، نحو استثمارات هيكلية طويلة الأمد.

ما أكتبه ليس مجرد انطباع عابر؛ ففي عام 2020، طالبتُ عبر صحيفة “مكة” بالالتفات للفرص الاستثمارية في ميسان. ولم تكن الكلمات صرخة في وادٍ؛ بل تبعها في 2022 تحرك ميداني للغرفة التجارية بالطائف لبحث الفرص في مراكز المحافظة، وتوج ذلك في 2023 باتفاقية كبرى بين “أرامكو السعودية” وهيئة تطوير مكة لتنمية زراعة “اللوز البجلي”. هذا يؤكد قاعدة واحدة: الجهد الصادق يثمر، حين تجد الكلمة أرضاً تُثمر. لكن الأثر المتبقي أكبر بكثير، وما تحقق لا يعدو ككونه خطوة أولى في طريق طويل.

1. اقتصاد المدرجات.. أزمة مياه وشريان غائب
هندس الأجداد المدرجات الزراعية لنظام هيدروليكي واقتصادي متكامل. اليوم، تقف هذه المدرجات بين مطرقة هجرة الأهالي وسندان الأساليب التقليدية.
الواقع يقول: لا سياحة ريفية ولا زراعة مستدامة بلا أمن مائي مستقر طوال العام. فالْمشاريع الفندقية، والمنتجعات، وحتى رحلات السياحة اليومية، تحتاج إلى تشغيل دائم، لا إلى صهاريج مياه موسمية.

الحلول الذاتية وبدائل التنمية:
إن انتظار الحلول الكبرى أو تعليق التنمية على مبررات “الميزانيات والتحديات وروتين الإجراءات” لن يخدم طموحات مواكبة التقدم، مما يحتم التوجه نحو البحث عن بدائل ومنها الحلول الذاتية. فالتفعيل الفوري للمشاريع الأهلية، وتحفيز الأسر المنتجة وربطها بأسواق المدن الكبرى عبر منصات التجارة الحديثة، يمثل مساراً سريعاً. وفي ملف المياه، يمكن البدء تدريجياً بحلول اقتصادية ذاتية كمشاريع السدود المصغرة لحفظ مياه الأمطار، وخزانات الحصاد المائي، وتطبيق تقنيات توليد المياه من الهواء المستوحاة من التجارب العالمية، فضلاً عن تعزيز الاستثمار التشاركي والأهلي الذي يقصر المسافات.

1. السياحة التراثية.. حصون صامتة واستثمار مهدر
تزخر ميسان بمئات القرى التراثية والحصون الحجرية التي تشبه أقاليم “توسكانا” الإيطالية، لكنها مجمدة استثمارياً.
المستثمر الكبير يحجم بسبب تعقيد الموافقة، والمحلي يعجز مالياً. الحل لا يتحول بقرارات تقليدية، بل بمنح ميسان صفة منطقة تطوير سياحي ذكي ومستقلة بهويتها الاستثمارية، وتأسيس صناديق استثمار مجتمعية يساهم فيها الأهالي لترميم قراهم وتحويلها إلى نزل بيئية عالمية. هذا الحراك يظل ناقصاً إن لم يُرافقه توفير “حاضنة أكاديمية تراثية وتقنية” في المحافظة، توقف نزيف هجرة الأجيال الصاعدة نحو المدن الكبرى للتعليم والعمل.

1. إنسان ميسان.. رأس المال الذي ينتظر التمكين
المكان يتبع الإنسان دائماً. ما لم يتم تمكين الشاب والمرأة الريفية في ميسان، وتحويل المهارات اليدوية والصناعات العطرية والمنتجات العلاجية إلى علامات تجارية تنافس خارج الحدود، ستظل التنمية مجرد مظاهر عابرة لا تلامس عُمق الاستثمار .

إن الحديث عن تطوير السياحة الريفية، واستثمار القرى التراثية، وتمكين الأسر المنتجة، والبحث عن حلول مائية مستدامة في ميسان، ليس سوى امتداد حيّ لمستهدفات التنمية المستدامة وبرامج رؤية السعودية في المناطق الجبلية والريفية. فميسان ليست مجرد ممر سياحي بين الطائف والباحة؛ إنها رئة مكة الخضراء، ولن تنهض بحلول موسمية، بل بمعالجة جذرية لشبكات المياه، وتوفير التعليم التقني المرتبط بهوية الأرض، ورؤية تدرك أن الاستثمار في جبال ميسان هو استثمار في مستقبل وطني حقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى