المقالات

مجالس الأمس… حين كان للحضور معنى

ذاتَ يومٍ، دخلتُ إلى إحدى المكتبات، فوقعت عيناي على كتابٍ يروي قصةَ طفلٍ صغيرٍ، اعتاد أن يجلس في طرف المجلس، يرقب الرجال وهم يتسامرون، ويصغي إلى أحاديثهم التي تتنقل من خبرٍ إلى آخر، ومن حكايةٍ إلى أخرى، لم يكن يفهم كثيرًا مما يُقال، ولم يكن يعنيه أن يفهم، كان يكفيه أن يبقى قريبًا من أصواتهم، يستمع في صمت، ويختزن في ذاكرته مشاهد تلك المجالس، حتى غدت من أثمن ذكريات طفولته، وإن لم يكن لذلك الشعور أهميةٌ في نفسه آنذاك.

مضت الأعوام، وكبر الطفل، غير أن المجلس بقي حيًّا في ذاكرته، كما بقيت فيها تفاصيل صغيرة قد تبدو عابرة، كصوتِ صبِّ القهوة وعبيرِها، وضحكةِ أحد الجالسين، ونبرةِ شيخٍ يستعيد حكايةً من زمنٍ مضى. وعندما عاد إلى تلك الذكريات، أدرك أن ما كان يراه مجلسًا عاديًّا لم يكن كذلك، بل كان عالمًا قائمًا بذاته؛ عالمًا تتجاور فيه الخبرة والألفة، وتنتقل فيه التجارب كما تنتقل الحكايات، ويكتسب الوقت فيه قيمته من حضور الناس، لا من تعاقب ساعاته.

لم تكن المجالس القديمة مكانًا للاجتماع فحسب، بل كانت مدرسة للحياة، وذاكرةً للمجتمع، فيها يتعلم الصغير من الكبير دون تلقين، فيعرف كيف يُحسن الإصغاء، ويوقر الكبير، ويكرم الضيف، ويشارك الناس أفراحهم وأحزانهم، وكانت الحكايات تنقل التجارب، والمواقف تغرس الحكمة، والأحاديث توسع المدارك، وفيها أيضًا تتوثق الصلات، فيُسأَل عن الغائب، ويُعاد المريض، ويتعرف الناشئة إلى رجال مجتمعهم، فتقوى أواصر المودة، وتبقى تلك المجالس سجلًا حيًّا للذاكرة الاجتماعية.

ولعل أجمل ما كانت تمنحه تلك المجالس هو الوقت الكامل؛ فقد كان الجالس يجلس بقلبه قبل جسده، ويصغي بتركيز، ويشارك من حوله الحديث، من غير أن ينافسهم شيء على انتباهه.

ثم تبدّل إيقاع الحياة، حيث تسللت التقنية إلى تفاصيل أيامنا، وأصبحت الشاشات حاضرة في بيوتنا ومجالسنا، وقد يسّرت كثيرًا من شؤون الحياة، فاختصرت المسافات، وسهَّلتِ التواصل، وفتحت آفاقًا واسعة للمعرفة والتعلم والعمل، وغَدَا البعيد قريبًا، وأصبحت المعلومة ميسرة، وجعلت التواصل مع الآخرين متاحًا في أي وقت ومن أي مكان.

ولا ريب أن هذا التحول يُعَدُّ منجزًا إنسانيًّا يستحق التقدير، وليس من الحكمة أن يُقابَل بالرفض أو الجحود. غير أن المشكلة تبدأ حين تتجاوز التقنية وظيفتها، فتتحول من أداةٍ في أيدينا إلى حضورٍ دائم يستأثر بأوقاتنا، ويصرف انتباهنا عمَّن لهم حقٌّ علينا.

وكم من مجلسٍ يجتمع فيه الناس، بينما تتوزع أبصارهم بين الوجوه والشاشات! يجلس الأب إلى جوار أبنائه، ويجلس الصديق إلى صديقه، ولكنَّ لكل واحدٍ منهم عالمًا آخر يستغرقه، وما إن يبدأ الحديث حتى يقطعه إشعار، أو مكالمة، أو رسالة، فينصرف الذهن، وينقطع خيط الأنس.

لقد أصبحنا أيسر اتصالًا من أي وقت مضى، غير أن القرب الإنساني لا تُنشئه وسائل الاتصال وحدها، فقد نرسل رسالة إلى من تفصلنا عنه آلاف الأميال في لحظات، ثم نعجز عن أن نهب من يجلس إلى جوارنا دقائق من الإصغاء الصادق. ونحيط بأخبار البعيد سريعًا، بينما تغيب عنا أحوال أقرب الناس إلينا؛ لأن أبصارنا معلقة بالشاشات أكثر من تعلقها بالوجوه.

وهنا تتجلى المفارقة؛ فالتقنية قادرة على اختصار المسافات، لكنها لا تختصر الطريق إلى الألفة، فالقرب الحقيقي لا تصنعه الأجهزة، وإنما يصنعه الحضور، ولا يثمر الحضور إلا إذا صاحبه وقت يُبذل، وإصغاء يُمنح، واهتمام يشعر به من نجالسه.

وليس المقصود أن نخاصم التقنية أو نقصيها من حياتنا، فهي جزء أصيل من هذا العصر، ولا غنى عنها في كثير من شؤوننا، وإنما المقصود أن نضعها في موضعها الصحيح، فتظل وسيلةً تعين الإنسان، لا أن تستولي على وقته، أو تزاحمه في علاقاته، أو تحول بينه وبين من يشاركونه حياته.

نحن بحاجة إلى أن نُحسن توزيع أوقاتنا؛ فنخصِّص للهاتف وقتًا، وللعمل وقتًا، وللتعليم وقتًا، ونجعل للأسرة والأصدقاء والمجالس نصيبًا وافرًا منها، ونحتاج أيضًا إلى أن نضع الهاتف جانبًا حين يحدثنا من نحب، وأن نتيح لأبنائنا أن يستمعوا إلى الكبار مباشرة، وأن يتعلموا من مجالستهم ما لا تنقله الشاشات، ولا تؤديه الرسائل.

ولعل أعظم ما نحتاج إلى استعادته اليوم روحُ تلك المجالس؛ تلك الروحُ التي كانت تجمع القلوب قبل الأجساد، وتُعلِّم الإصغاء قبل الكلام، وتغرس الألفة في النفوس، وتنقل الخبرة في بساطةٍ وعفوية، ولعل سرَّ بقاء أثرها في النفوس أنها لم تكن مجرد مكانٍ يجتمع فيه الناس، بل كانت تصنع بينهم روابطَ إنسانيةً يَعسُر أن تُنشئها وسائلُ التواصل وحدها. فالإنسان لا يفتقد كثرة وسائل التواصل، بقدر ما يفتقد صدق التواصل؛ وما أكثر ما نملكه اليوم من وسائل، وما أقل ما نمنحه لمن حولنا من وقتٍ وحضور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى