ليس كل ملتقى ثقافي يُقاس بعدد فعالياته أو ضيوفه، بل بما يتركه من أثر في الوعي، وما يرسخه من قيم جمالية ومعرفية. ومن هذا المنطلق يأتي ملتقى «عرش الحرف» في نسخته الأولى، الذي تبنته دار عوضة، ممثلةً في مالكها الدكتور عوضة أحمد عوضة، المشرف العام على الملتقى، والذي شهدته منطقة الباحة في الخامس من أغسطس 2026، احتفاءً بأحد أعظم الفنون التي أسهمت في تشكيل هوية الحضارة الإسلامية، وهو فن الخط العربي.
والخط العربي، رغم كل ما طرأ على حياتنا من تحولات في أدوات الكتابة والتواصل، ما زال محتفظًا بمكانته شاهدًا على أصالة الأمة، ولسانًا للجمال، ووعاءً حفظ القرآن الكريم، وزيّن المساجد، وخلّد إبداع الفنان المسلم عبر العصور. ومن هنا فإن كل مبادرة تعيد لهذا الفن حضوره، وتقرّبه من الأجيال الجديدة، تستحق التقدير والدعم.
وإقامة هذا الملتقى في الباحة تحمل دلالة خاصة؛ فالمنطقة تعيش حراكًا ثقافيًا وسياحيًا متناميًا، وأصبحت خلال السنوات الأخيرة وجهة للفعاليات النوعية التي تجمع بين الطبيعة والثقافة والفنون. واليوم تضيف إلى هذا المشهد ملتقى يحتفي بالخط العربي، ويمنح الخطاطين والمبدعين مساحة للقاء والحوار والتعلم وتبادل الخبرات.
ومن أجمل ما حمله المؤتمر الصحفي للملتقى إعلان اختيار خطاط المصحف الشريف الشيخ عثمان طه ضيف شرف للنسخة الأولى. فهذا الاسم لا يمثل شخصية بارزة في عالم الخط العربي فحسب، بل يقترن بتاريخ طويل من الإبداع والإتقان، وبشرف كتابة المصحف الشريف الذي انتشرت نسخه في أنحاء العالم الإسلامي.
واختيار الشيخ عثمان طه يحمل في تقديري معنى يتجاوز التكريم؛ فهو وفاء لقامة خدمت كتاب الله بحرفها وريشتها، ورسالة للأجيال الجديدة بأن الإبداع الأصيل يبقى حاضرًا في الذاكرة، وأن الاحتفاء بأصحاب المنجز الكبير هو في الوقت نفسه احتفاء بتاريخ هذا الفن ومكانته.
ويأتي هذا الحراك الثقافي امتدادًا لما تحظى به منطقة الباحة من اهتمام ورعاية من أميرها وقائد مسيرتها التنموية والثقافية، صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور حسام بن سعود بن عبدالعزيز، ومتابعة ودعم من سمو نائبه صاحب السمو الأمير فهد بن سعد بن عبدالله بن تركي، اللذين يوليان القطاع الثقافي اهتمامًا كبيرًا بوصفه أحد روافد التنمية وجودة الحياة، مع الحرص على دعم المبادرات النوعية التي تعزز الهوية الوطنية وتفتح آفاقًا جديدة أمام المبدعين.
والباحة، بما تزخر به من طبيعة آسرة وإرث ثقافي عريق، مؤهلة لأن تجمع بين جمال المكان وروعة الحرف، وأن تعزز حضورها على خريطة الفعاليات السياحية والثقافية في المملكة. ولعل «عرش الحرف» يكون خطوة جديدة في هذا الطريق، وأن تتحول نسخته الأولى إلى موعد يتجدد عامًا بعد عام، وتكبر معه مساحة الاحتفاء بالخط العربي وأهله.
رسالة شكر
كل الشكر والتقدير لدار عوضة، ممثلةً في مالكها الدكتور عوضة أحمد عوضة، المشرف العام على الملتقى، على تبني فكرة إقامة هذه التظاهرة الثقافية، وما بذلته من جهود في دعم الحراك الثقافي والاحتفاء بفنون الخط العربي، أحد أبرز مكونات الهوية الثقافية العربية والإسلامية.
فحين يجد الحرف من يحتفي به، والفنان من يقدّر إبداعه، والمكان من يفتح أبوابه للجمال، فإننا لا نكون أمام فعالية عابرة، بل أمام عمل ثقافي يستحق أن يستمر.



