المقالات

تحالف مكة.. ميلاد قوة إقليمية جديدة؟

في السياسة الدولية، لا تولد التحالفات الكبرى دائماً بحثاً عن مواجهة طرف بعينه، وإنما تولد عندما تدرك الدول أن حجم التحديات المحيطة بها يتطلب جمع عناصر القوة وتنسيقها في إطار أكثر قدرة على حماية المصالح وصناعة التوازن. ومن مكة المكرمة، جاء الاتفاق الدفاعي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، ليضع أساساً جديداً لعلاقة ثلاثية تحمل أبعاداً تتجاوز التعاون التقليدي، وتفتح الباب أمام نشوء قوة إقليمية تستند إلى ثلاث دول ذات ثقل سياسي واقتصادي وعسكري واستراتيجي. ولعل أهم ما يميز هذا التحالف أن الدول الثلاث ليست متشابهة في عناصر قوتها، وإنما متكاملة فيها. فالسعودية بثقلها السياسي والاقتصادي والجغرافي، وقدراتها الدفاعية والعسكرية المتقدمة، ومكانتها المحورية عربياً وإسلامياً ودولياً، وعضويتها في مجموعة العشرين، وقدرتها على بناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا، تدخل هذا التحالف بوزن يتجاوز حدود القوة الإقليمية التقليدية. وتشكل تركيا بقوتها العسكرية والصناعية والتكنولوجية وموقعها الاستراتيجي، وباكستان بثقلها العسكري والاستراتيجي وعمقها الآسيوي، مع السعودية، مزيجاً من عناصر القوة يصعب اختزاله في البعد العسكري وحده.

وعندما تجتمع هذه العناصر في إطار واحد، تصبح قيمة التحالف أكبر من مجرد جمع قدرات ثلاث دول، وتتحول القدرات المنفردة إلى قوة جماعية أكثر تأثيراً. والأهم أن الاتفاق لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية ما تستطيع الدول الثلاث فعله إذا وقعت مواجهة، وإنما من زاوية ما يمكن أن يمنعه قبل وقوعها. فالتحالفات الدفاعية لا تقاس فقط بقدرتها على الرد بعد وقوع الخطر، وإنما بقدرتها على جعل التفكير في الاعتداء أكثر كلفة، وجعل اختبار قوة إحدى دولها قراراً أكثر صعوبة. وهذا هو جوهر الردع الحقيقي؛ فهو لا يعني البحث عن الحرب، وإنما جعلها خياراً أقل جاذبية، وإيصال رسالة واضحة بأن أمن الدول الثلاث ومصالحها لم تعد قابلة للاختبار كما كانت من قبل. ولعل الأثر الأكبر للتحالف لن يظهر بالضرورة في صورة تحرك عسكري، وإنما في مكاتب السياسيين وغرف صنع القرار. فالدول تعيد حساباتها عندما تتغير موازين القوة من حولها. والدولة التي كانت تبني حساباتها على إمكانية التعامل مع كل دولة بصورة منفردة ستحتاج إلى قراءة المعادلة الجديدة بصورة مختلفة، كما أن من كان يراهن على وجود فجوات بين القوى الإقليمية سيعيد تقييم رهاناته.

ومن اعتاد أن يعوض محدودية حجمه بالتمدد في مساحات نفوذ الآخرين، أو أن يستثمر التباينات داخل الإقليم لتوسيع حضوره، أو أن يراهن على أن ضبط النفس يعني غياب القدرة على الرد، سيجد أن المعادلة الجديدة تفرض عليه إعادة حساباته. فما كان ممكناً في بيئة إقليمية معينة قد لا يكون ممكناً بالدرجة نفسها في بيئة تتغير فيها موازين القوة والتحالفات. وقد يدفع ذلك أطرافاً عديدة إلى مراجعة سياساتها، وتخفيف حدة مواقفها، وإعادة ترتيب أولوياتها، أو البحث عن شراكات جديدة تتلاءم مع الواقع المتغير. ومن المهم ألا يُفهم تحالف مكة باعتباره مشروعاً لإقصاء طرف أو مواجهة طرف آخر. فالقوة لا تحتاج إلى خصم محدد حتى تكون مؤثرة، والتحالف الدفاعي لا يفقد قيمته لأنه لا يعلن اسم عدو. بل إن قوته قد تكون تحديداً في أنه لا يحتاج إلى خطاب تصعيدي لإثبات وجوده. فالردع الناجح ليس الذي يشعل المواجهة، وإنما الذي يجعلها أقل احتمالاً.

كما أن أهمية التحالف لا تتوقف عند الجوانب الدفاعية، بل يمكن أن تمتد إلى الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والتدريب وتبادل الخبرات والاستثمار والتعاون الاقتصادي. وإذا نجحت الدول الثلاث في تحويل الاتفاق إلى تعاون مؤسسي طويل المدى، فقد يصبح نموذجاً لشراكة إقليمية تجمع بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية والتكنولوجيا والموقع الجغرافي. وفي هذا السياق، لا يعني تحالف مكة نهاية دور القوى الدولية في المنطقة، ولا يعني التخلي عن الشراكات الخارجية، بل يعكس اتجاهاً نحو امتلاك الدول الإقليمية قدرة أكبر على صناعة أمنها وحماية مصالحها. فالدول لم تعد تريد أن تكون مجرد متلقٍ لترتيبات أمنية تُصنع من أجلها، وإنما تريد أن تكون شريكاً رئيسياً في صياغة هذه الترتيبات وتحديد أولوياتها. ولعل اختيار مكة المكرمة مكاناً لهذا الاتفاق يمنحه بعداً رمزياً خاصاً. فمكة قلب العالم الإسلامي، ومكان تتجه إليه أنظار المسلمين من مختلف أنحاء العالم. ولهذا فإن «تحالف مكة» ليس مجرد تسمية جغرافية؛ بل يمكن أن يصبح عنواناً لمرحلة جديدة من التعاون بين دول ذات ثقل كبير في العالم الإسلامي، تقوم على المصالح المشتركة، وتعزيز الأمن، وبناء التوازن، واحترام سيادة الدول.

وفي النهاية، لا تصنع الوثائق القوة بمفردها؛ فالقوة تحتاج إلى مؤسسات، وخطط، وتنسيق مستمر، وتدريبات، وصناعات، وتقنيات، وإرادة سياسية، وقدرة على تحويل الاتفاقات إلى واقع. لكن البداية مهمة، وما حدث في مكة ليس حدثاً عابراً؛ لأنه يجمع ثلاث دول تمتلك كل واحدة منها وزناً حقيقياً، وتملك معاً فرصة لبناء منظومة أكثر تأثيراً من مجموع قدراتها المنفردة. تحالف مكة لا يعلن البحث عن مواجهة، وإنما يعلن امتلاك القدرة على منعها. ولا يوجه رسالة تهديد لأحد، وإنما يرسل رسالة واضحة إلى الجميع: إن أمن دول المنطقة ومصالحها لم تعد مسألة يمكن اختبارها دون حساب، وإن موازين القوة ليست ثابتة إلى الأبد. تحالف مكة قد لا يكون مجرد اتفاق دفاعي جديد؛ بل قد يكون بداية ميلاد قوة إقليمية جديدة، قوة لا تبحث عن الصدام، وإنما تجعل الاستقرار أكثر احتمالاً، والمغامرة أكثر كلفة، والحسابات القديمة أقل صلاحية للمستقبل.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى