في السابع من أغسطس 2026، نشر حساب إخباري على منصة «إكس» مقطعًا لقارب سياحي ينجو من مطاردة فرس نهر في بوتسوانا، في مشهد لم يستغرق سوى ثوانٍ معدودة، لكنها بالتأكيد بدت لمن كانوا على متن القارب أطول بكثير.
وبقدر ما حملته تلك اللحظات من خوف وخطر، استوقفني تعليق ساخر لأحد المتابعين قال فيه: «فرس النهر أراد فقط أن يذكّر كل من في القارب بأنه المالك الحقيقي للنهر، وأن الإيجار متأخر!».
ضحكت من التعليق، لكنني وجدت خلف سخريته معنى يستحق التأمل.
نحن عندما نذهب إلى البحر أو النهر أو البر، نذهب بحثًا عن المتعة والجمال والمغامرة، وننسى أحيانًا أننا ندخل عوالم لها قوانينها وسكانها ومخاطرها. ذلك النهر الذي يبدو هادئًا في صورة جميلة قد يخفي ما لا نتوقعه، والبحر الذي يمنحنا لحظات من الصفاء قد يتحول في وقت قصير إلى قوة لا يستطيع الإنسان الوقوف أمامها،.
وأعاد المشهد إلى ذاكرتي قصة الغواص السعودي وسام منصور الزهراني -رحمه الله-، الذي فُقد أثناء ممارسته الغوص في البحر بجدة. وما زاد المشهد وقعًا في نفسي أنني حين عدت إلى قصة وسام، اكتشفت مصادفة زمنية لم أنتبه إليها من قبل؛ فقد نُشر خبر فقده في جدة بتاريخ 4 أغسطس 2025، بينما نُشر مقطع القارب في بوتسوانا في 7 أغسطس 2026. عام واحد وثلاثة أيام فقط تفصل بين المشهدين؛ حادثتان مختلفتان، في مكانين متباعدين، لكنهما تلتقيان في رسالة واحدة: الطبيعة تمنح الإنسان متعته، لكنها لا تمنحه عهدًا بالأمان.
ولم يكن وسام مبتدئًا يجهل البحر، بل كان غواصًا متمكنًا وصاحب خبرة. ولهذا بدت كلمات زوجته خلال أيام البحث عنه مؤثرة حين قالت: «وسام كان يعرف البحر أكثر من أي أحد، لكن قضاء الله فوق كل شيء، والحمد لله على حكمه».
عبارة تختصر الكثير؛ فالخبرة مهمة، والاحتياط واجب، والمعدات ووسائل السلامة ضرورة، لكنها جميعًا لا تمنح الإنسان ضمانًا مطلقًا أمام البحر ومفاجآته، وفوق ذلك كله يبقى قضاء الله وقدره.
والتاريخ يحمل قصصًا كثيرة تؤكد المعنى ذاته. ولعل أشهرها مأساة سفينة «تايتنك»، التي مثّلت في زمانها إنجازًا هندسيًا هائلًا، قبل أن تتحول في رحلتها الحالمة الأولى عام 1912، إلى واحدة من أشهر الكوارث البحرية في التاريخ.
تطورت السفن، وتقدمت تقنيات الملاحة والإنقاذ، وأصبح الإنسان أكثر قدرة على قراءة الطقس وأعماق البحار، لكن كل ذلك لم يمنحه السيطرة الكاملة على الطبيعة.
وربما كان فرس النهر في ذلك المقطع، من حيث لا يدري، يقدم درسًا للسياح ولنا جميعًا: استمتعوا بالطبيعة، اقتربوا منها، وتأملوا جمالها، لكن لا تنسوا أنكم في بعض الأماكن مجرد ضيوف.
أما «المالك» الحقيقي، فقد يظهر فجأة ليطالب بالإيجار!.


الطبيعة تمنح الإنسان متعته، لكنها لا تمنحه عهدًا بالأمان.
عبارة بل: ” حكمة” تختصر الكثير، والكثير مما يقال عن المخاطر، بل عن المجازفات التي تكون نهايتها ندم وخسارة، ليس فقط على صعيد البحر، وإنما في أوجه الحياة ونواحيها المتعددة.
وهنا نتذكر قصيدة نزار قباني التي غناها عبد الحليم حافظ:
لو كنت اعرف أن البحر خطيرا جدا ما أبحرت …!