كتاب الرأي

حنين لا ينضب … أول وطن في القلب وآخر دعاء في الحياة

بعض الصور نمر بها فنبتسم، وبعضها يوقظ في أعماقنا زمنًا كاملًا. وهذه الصورة، رغم طرافتها، ليست مجرد مشهد لطفل احتمى بأمه حتى لا يناله العقاب؛ إنها نافذة مفتوحة على ذاكرة البيوت القديمة، وعلى واحدة من أصدق صور الأمومة التي لا يستطيع وصفها كما ينبغي إلا من عاش تفاصيلها.

ذلك الطفل الذي يختبئ خلف أمه لا يعرف شيئًا عن قوانين الحماية أو حق اللجوء، لكنه يعرف بفطرته أقدم قانون كتبه الحب في قلب الإنسان:

حين تخاف … اذهب إلى أمك.

فهناك منطقة لا تحتاج إلى إذن للدخول، ولا إلى إثبات البراءة، ولا إلى تبرير طويل. يكفي أن تقول: «يمّه»، فتتحرك في داخلها غريزة لا تعرف التردد، ويصبح جسدها الصغير سورًا، وذراعاها وطنًا، وقلبها محكمة تميل دائمًا إلى الرحمة.

كانت تغضب منا… لكنها لا تسمح أن ننكسر

من عجائب الأمومة أن الأم قد تكون أول من يغضب من خطأ ابنها، وأشد من يلومه عليه، لكنها حين تشعر أن الأمر قد يتجاوز العتاب إلى ما يؤلمه أو يكسر خاطره، يتغير الموقف كله.

كأن قلبها يقول:

أنا أعاتبه… لكن لا تؤذوه.
أنا أعرف خطأه… لكن لا تكسروا قلبه.
أنا أغضب منه… لكنني لا أتوقف عن حبه.

وهنا يكمن سر عظيم من أسرار الأمومة فهي تستطيع أن ترفض الخطأ دون أن ترفض صاحب الخطأ، وأن تغضب من التصرف دون أن ينقص من محبتها لابنها شيء.

ولهذا كان الطفل يعرف جيدًا طريق النجاة يركض خلف أمه، ويتمسك بثوبها، ويطل من ورائها بعينين صغيرتين وقد استعاد بعض شجاعته، وكأنه يقول للعالم كله:

لقد وصلت إلى المكان الآمن!

الأب يشد … والأم ترخي

وفي هذا المشهد البسيط تختبئ أيضًا واحدة من الصور الجميلة لفنون التربية في كثير من بيوتنا في الماضي؛ فقد كان الأب غالبًا يمثل جانب الحزم والانضباط، بينما تمثل الأم مساحة أوسع من اللين والاحتواء.

الأب يشد … والأم ترخي.

ولم يكن ذلك، في صورته الحكيمة، تناقضًا بين الوالدين، ولا صراعًا على من ينتصر في النهاية، بل كان نوعًا من التوازن التربوي الفطري؛ كلاهما يريد الخير للابن، وكلاهما يسعى إلى إصلاحه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، لكن لكل منهما طريقته التي تكمل الأخرى.

فالأب يضع الحدود ويذكر بالمسؤولية، والأم تمنح القلب مساحة يستعيد فيها أمانه. وإذا اشتد جانب الحزم، جاء الحنان ليمنع الانكسار، وإذا غلب اللين، جاء الحزم ليعيد للحدود معناها.

وهكذا نشأ كثير منا بين قوتين متكاملتين:

هيبة تمنعنا من التمادي … ورحمة تمنعنا من الانكسار.

ويا لها من معادلة تربوية رائعة حين تكون في موضعها الصحيح حزم بلا قسوة، وحنان بلا تدليل مفسد، ومحاسبة لا تهين، ورحمة لا تلغي المسؤولية.

لم يكن الأب والأم خصمين يتنازعان الابن، بل جناحين يريدان له أن يستقيم دون أن يفقد إحساسه بالأمان أحدهما يقول له: للحياة حدود ومسؤوليات، والآخر يهمس له: ومهما أخطأت، فهناك طريق للعودة والإصلاح.

ولعل هذا هو المعنى الأجمل الذي يستحق أن يبقى من تلك التربية لا تفاصيل العقاب التي تغيرت مفاهيمها ووسائلها مع الزمن، وإنما حكمة التوازن بين الحزم والرحمة، والانضباط والاحتواء، والعتاب وحفظ الكرامة.

حب لا يحتاج إلى كثير من الكلام

أمهات الأمس، في الغالب، لم يكن يحتجن إلى الخطب الطويلة ليقلن لأبنائهن: «نحن نحبكم».

كان الحب له لغته الخاصة.

كان طبقًا ساخنًا ينتظر الابن حين يعود، وقطعة الطعام الأجمل التي تدخرها له الأم ثم تزعم أنها لا تشتهيها، وثوبًا تعده، وسهرًا بجوار فراشه حين يمرض، وبابًا تظل تراقبه حتى يعود، ودعاءً يسبقه إلى امتحانه وسفره وعمله.

كان الحب سؤالًا يتكرر كل يوم:

هل أكلت؟
أين أنت؟
متى تعود؟
طمني عندما تصل.
انتبه لنفسك.

وكنا ونحن صغار نظنها أسئلة عادية، وربما ضجرنا أحيانًا من كثرتها، ثم كبرنا وفهمنا أن كل سؤال منها كان يحمل خلفه قلبًا كاملًا.

فـ «طمني عليك» لم تكن مجرد عبارة، بل كانت قلبًا معلقًا بخبر وصولنا.

و**«انتبه لنفسك»** كانت دعاءً يسير معنا إلى الأماكن التي لا تستطيع أقدامها أن ترافقنا إليها.

في عيني الأم … لا يكبر الأبناء

قد يصبح الابن طبيبًا يعالج الناس، فتظل أمه توصيه ألا يهمل صحته.

وقد يصبح عالمًا أو مسؤولًا أو صاحب شأن، ثم يدخل عليها فتسأله ببساطة:

«أكلت يا ولدي؟»

فتسقط أمام السؤال كل المناصب والألقاب، ويعود في لحظة ذلك الطفل الذي كان يختبئ خلف ظهرها.

العالم يرانا بما أصبحنا عليه، أما الأم فترانا غالبًا كما رأتنا أول مرة بين ذراعيها.

نكبر في أعين الجميع…

إلا في عينيها.

ولعل لهذا السبب يظل حضنها مختلفًا لأننا لا نحتاج فيه إلى أن نثبت قوتنا أو نجاحنا أو مكانتنا، بل نستطيع أن نعود أطفالًا لبعض الوقت.

ثم نكبر … ونفهم أمهاتنا متأخرين

ومن مفارقات الحياة الجميلة أننا حين نصبح آباء وأمهات نبدأ، من حيث لا نشعر، بتكرار الكلمات نفسها التي كنا نسمعها.

نسأل أبناءنا:

أين أنتم؟… هل أكلتم؟… لماذا تأخرتم؟… اتصلوا عندما تصلون… انتبهوا لأنفسكم… ثم نصمت لحظة… فنسمع في أصواتنا شيئًا من أصوات أمهاتنا.

عندها ندرك أنهن لم يكن يبالغن في خوفهن علينا، وإنما كن يحببننا أكثر مما كانت أعمارنا الصغيرة قادرة على فهمه.

ونفهم أن التربية لم تكن أوامر ونواهي فحسب، بل كانت خوفًا وحبًا وصبرًا ودعاءً وتضحيات كثيرة لم نكن نراها.

حين تغيب الأم … يتغير معنى الصورة

أما من رحلت أمه عن الدنيا، فإن مثل هذه الصور تمر على قلبه بطريقة أخرى.

قد يبتسم أولًا لطرافة الطفل المختبئ خلفها، ثم تهجم عليه التفاصيل الصغيرة:

صوتها… ضحكتها… عتابها… دعاؤها… رائحة البيت وهي فيه… يدها حين تمسح رأسه…

وسؤال كان يسمعه كثيرًا وربما لم يكن يدرك يومًا أنه سيشتاق حتى إلى تكراره.

وهنا يصبح الحنين إليها حنينًا لا ينضب لأن الأم حين ترحل لا تترك مكانًا فارغًا في البيت فحسب، بل تترك مساحة في الروح لا يستطيع أحد أن يشغلها بالطريقة نفسها.

ومع ذلك، فإنها لا تغيب تمامًا. يبقى شيء منها في كلماتنا، وفي عاداتنا، وفي خوفنا على أبنائنا، وفي الأطعمة التي نحبها، وفي مواقف نتصرف فيها فجأة كما كانت تتصرف، فنبتسم ونقول في سرنا:

رحمك الله يا أمي … لقد بقي منك فينا أكثر مما كنا نعرف.

لا تؤجلوا الحب

إن كانت أمك لا تزال بقربك، فلا تجعل محبتها شعورًا تعرفه ولا تقوله، ولا تؤجل برها إلى وقت أكثر فراغًا فقد تمر السنوات أسرع مما نتصور. اجلس إليها. استمع إلى حديثها ولو سمعته من قبل. قبل رأسها ويديها. دعها تسأل عنك كما تشاء.

وإذا قالت للمرة الألف: «انتبه لنفسك»، فابتسم لأن في الدنيا من يتمنى لو يسمعها مرة واحدة أخرى.

وإن كانت قد رحلت، فليكن الوفاء لها دعاء لا ينقطع، وصدقة، وبرًا بمن كانت تحب، وذكرًا جميلًا يليق بمن منحت من عمرها كي نصنع أعمارنا.

فالأم ليست مجرد امرأة أنجبت أبناءها إنها ذاكرة البيت، ودفء العمر، وأول مدرسة للحب، وأصدق خوف علينا، وأطول دعاء رافق خطواتنا في الحياة.

والأب، بحزمه وحرصه، والأم، بحنانها واحتوائها، كانا في أجمل صور التربية القديمة يلتقيان عند غاية واحدة:

أن يصلح الأبناء، وأن يشتد عودهم دون أن تنكسر أرواحهم.

ولهذا فإن ذلك الطفل المختبئ خلف أمه في الصورة ربما لم يكن يعرف شيئًا عن «اللجوء السياسي» الذي تصفه العبارة الساخرة…

لكنه كان يعرف حقيقة أكبر من كل القوانين:

أن خلف الأم مساحة صغيرة من الأرض،
لكنها في قلب ابنها … أكثر بقاع الدنيا أمانًا.

وأن الأب قد يشد حبًا، والأم قد ترخي حبًا، وبين شد هذا وحنان تلك كانت تصنع البيوت أبناءها على قدر استطاعتها، في معادلة تختصرها كلمات قليلة:

حزم يهذب…
وحنان يحتوي…
وحب لا ينضب.

رحم الله أمهاتنا وآباءنا من رحل منهم، وحفظ من بقي، وألبسهم لباس الصحة والعافية، وأعاننا على برهم أحياء، والوفاء لهم والدعاء والصدقة عنهم بعد الرحيل.

رب ارحمهما كما ربياني صغيرا.

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهـر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى