قال قديمًا عمر بن أبي ربيعة:
لَيتَ هِندًا أَنجَزَتنا ما تَعِدُ
وَشَفَت أَنفُسَنا مِمّا تَجِدُ
وَاِستَبَدَّت مَرَّةً واحِدَةً
إِنَّما العاجِزُ مَن لا يَستَبِدُّ.
فهل هذا الاستبداد، وإن كان من المحب، مقبول؟ وإن أضنى، وأسهر،
ولم يرحم؟
لقد قال عمر: ما يجد ، لكن هل طغيان الحبيب هو من جنس ذلك الطغيان الذي أُلِّفت فيه الكتب عن هتلر، وموسوليني، وستالين، وغيرهم؟ أم أن بينهما فرقًا؟
الطغيان يظل عملًا أعمى، والمقصود هنا عمى البصيرة. فالطاغية نرجسي لا يرى إلا نفسه، ويتغنى بمقولة: «أنا… ومن ورائي الطوفان.»
ولكن الطوفان لا يرحم قائله،و كل من سار على ذلك الدرب، فلن يصل في النهاية إلا إلى حتفه، أو إلى خراب مالطا .
غير أن هناك طغيانًا آخر، قد نراه صغيرًا، بينما هو في الحقيقة كبير في آثاره. يبدأ محدودًا، ثم تتسع دائرته حتى تصبح أشد مرارة؛ لأنه قد يوجد في كل بيت، أو مؤسسة، أو بيئة عمل. ويعانيه كثير من الناس، وربما لا يشعر من يمارسه أنه ينفث طغيانًا، بل يراه نوعًا من التربية، أو الإدارة، أو الأعراف الاجتماعية…
فالطغيان لا يُقاس بحجم السلطة، وإنما بطريقة ممارستها.و لا يبدأ بالضرورة من قصر رئاسي أو حكومة فاشية ، بل قد يبدأ من غرفة في منزل.
فهذا أب يظن أن القسوة هي التربية وعندما يصدر اوامره يستوحي عبارة أنا أبن جلا وطلاع الثنايا متي أدخل البيت وأرفع صوتي تعرفوني ، وأم ترى أن أبناءها خُلقوا لتنفيذ أوامرها دون نقاش وأنها الملكة بلقيس حتي لو أصبح البيت تعيساً ، وزوج يعتبر زوجته من ممتلكاته وأنه يمثل بكل فخر بطل قصة نجيب محفوظ الزوج المتسلط (سي السيد )، ومدير لا يرى في موظفيه إلا أدوات لتحقيق طموحاته ، ومعلم يحبط شخصية طلابه لأن يخشي أن يتفوق عليه أحدهم في يوم ما ، ومجهول أسندت اليه مهمة لا يحلم بها فأختل توازنه فمشي في الأرض مرحاً : وكأن «ما في البلد إلا هذا الولد.» مع أن في البلد اولاد كثير كبروا واصبحوا رجالاً وبقي هو ولداً، وعالم يزدري من يخالفه، وإعلامي لا يحتمل رأيًا آخر. وفلسفته خذوهم بالصوت لا يغلبوكم.
الفرق بين طاغية الدولة وطاغية الأسرة، أو أي مؤسسة أو كيان اجتماعي، ليس في الفكرة، بل في حجم التسلط فقط.
فكل طاغية يبدأ بإلغاء رأي، ثم بإلغاء إرادة، ثم ينتهي بمحاولة إلغاء الإنسان نفسه.
ولذلك فإن مقاومة الطغيان لا تبدأ عند أبواب الجنرالات ، بل في البيوت، والمدارس، وأماكن العمل، وكل مكان تُمنح فيه سلطة لإنسان على إنسان.
الطغاة، مهما اختلفت أماكنهم وأزمنتهم، يجتمعون في صفات تكاد تكون واحدة، كما أن نهاياتهم تكاد تكون متشابهة. والعجيب أن كل طاغية يظن أنه سيكون الاستثناء.
فالطغيان ليس جنسية، ولا دينًا، ولا لونًا، ولا عصرًا، بل هو مرض يصيب الإنسان عندما يظن أنه فوق قيمة الناس، والقانون، وفوق النقد.
ويبقى السؤال الأصعب: هل نظر كل واحد منا إلى داخله، بعيدًا عن التحيز؟ هل مارسنا شيئًا من هذا السلوك، ولو في أضيق الحدود؟ وهل كان ذلك نتيجة توارث جيني أو تربية، أو بيئة، أو سلوك مكتسب؟ وهل تلك الأعذار تعفينا من المسؤولية؟
فقد نكون، من حيث لا نشعر، طغاةً يُنجبون طغاة، لا نعلم كيف يكون مصيرهم ومصير من يرثونهم . كل طاغية يقرأ نهايات الطغاة ويتندر بهم … وكأن تلك السيرة لا تقصده ولا تعنيه !إن بين تبني المسؤولية وتفعيلها شعرة معاوية لكن من حيث الرهافة ودقة القرار. إن العاجز هو من لا يملك الفكر ولا الكفاءة ولا العلم فيسل سيف القوة والتسلط والمنصب.
فلنحذر ولا يغرينا قول عمر بن ابي ربيعة إنما العاجز من لا يستبد.

