كتاب الرأي

المقرات الإقليمية المالية.. نحو تعزيز مكانة المملكة كعاصمة للاستثمار الإقليمي

حين يصدر قرار يسمح للمؤسسات المالية المرخصة من وزارة الاستثمار بمزاولة أنشطتها عبر الحدود من خلال مقراتها الإقليمية في المملكة، فإننا لا نتحدث عن إجراء إداري كما يعتقد البعض. نحن أمام تحول عميق في طريقة تفكير الاقتصاد السعودي، وتحول في موقعه على خريطة المال والأعمال العالمية. هذا القرار الذي أشاد به معالي وزير الاستثمار المهندس فهد بن عبدالجليل السيف ورفع بمناسبته الشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ولصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، هو تأكيد على أن المملكة لم تعد تكتفي بأن تكون سوقاً مستقطبة للاستثمار، وإنما تسعى لأن تكون مركزاً يدار منه الاستثمار في المنطقة كلها.

إن منح المقرات الإقليمية للمؤسسات المالية نفس الحوافز التي يمنحها البرنامج السعودي لجذب المقرات الإقليمية يعني عملياً فتح الباب أمام البنوك وشركات الاستثمار وإدارة الأصول لتتخذ من الرياض منطلقاً لأعمالها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وهذا يعني أن القرارات المالية الكبرى، وتمرير الصفقات، وإدارة المخاطر، وتوجيه رؤوس الأموال، ستصبح تتم من داخل المملكة، لا من خارجها.

هنا تكتسب المبادرة بعداً استراتيجياً يتجاوز الجانب الاقتصادي المباشر. فالمملكة من خلال هذا التوجه أصبحت داعمة لثقة المستثمر الدولي، وترسل إشارة واضحة بأن بيئة الأعمال تتجه نحو مزيد من المرونة والتنافسية والانفتاح. كما أنها تربط بين مستهدفات الإستراتيجية الوطنية للاستثمار وبين طموح رؤية المملكة 2030 في بناء قطاع مالي متقدم يكون محركاً للتنويع الاقتصادي وخلق الوظائف النوعية ونقل المعرفة.

والأهم من ذلك أن القرار يعالج إشكالية قديمة كانت تواجه المستثمر الأجنبي، وهي الحاجة إلى إدارة إقليمية قريبة من السوق السعودي ولكن بتشريعات وحوافز واضحة. اليوم أصبحت المملكة توفر هذه البيئة المتكاملة، بيئة تجمع بين الاستقرار السياسي والبنية التحتية المتطورة والسوق الكبيرة والطموح الوطني. وبهذا تتحول الرياض تدريجياً إلى ما يشبه مركزاً مالياً إقليمياً يقارن بدبي ولندن وسنغافورة، لكن بميزة إضافية وهي عمق السوق السعودي نفسه.

القرار يعتبر بداية لمسار أطول. فالمملكة تثبت أنها لا تريد فقط جذب الشركات للعمل داخل حدودها، تريد اليوم أن تصنع من داخلها عقولاً ومراكز قرار تدير المنطقة. وهذا هو جوهر التحول، أن ننتقل من الاستقطاب إلى القيادة.

حتى تتحقق هذه النقلة بالكامل، نجد بأن هناك حاجة ملحة إلى تسريع إجراءات الترخيص وتبسيطها أمام المؤسسات المالية الكبرى. كما يحتاج الأمر إلى تنسيق وثيق بين وزارة الاستثمار والبنك المركزي وهيئة السوق المالية لضمان وضوح الأنظمة وتكاملها. ولا بد من الاستثمار في تأهيل الكفاءات السعودية في مجالات التمويل والاستثمار وإدارة الأصول حتى تكون جزءاً أصيلاً من هذه المقرات. وأخيراً، يجب أن ترافق هذه الخطوة حملة تسويق دولية تروي قصة المملكة الجديدة للمستثمر العالمي، وتبرز لها لماذا أصبحت الرياض هي المكان الأنسب لاتخاذ القرار المالي في المنطقة.

د. علي محمد الحازمي

خبير وباحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى