ثمة غرفة في داخل كل واحد منا لم يُصمَّم لها باب يُطرَق، ولا نافذة تُفتَح على الآخرين، فيها نحتفظ بما لم يُقَل، وما قيل ولم يُسمَع كما أردنا، وما كان يمكن أن يكون لو أن الحياة استمعت إلينا قليلاً قبل أن تمضي في طريقها. يقول الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال إن كل تعاسة الإنسان تنبع من عجزه عن الجلوس بهدوء في غرفة وحيدًا، وكأنه أدرك من قبلنا أن هذه الغرفة تحديدًا، لا الزحام في الخارج، هي مكان الاختبار الحقيقي، لكن الأصعب من الجلوس فيها هو أن يكتشف الإنسان أن أحدًا، مهما أحبّه، لن يدخلها معه.
نحن نمضي حياتنا نظن أن القرب من الآخرين قرب من دواخلنا، فنُشرك الأصدقاء في قرارتنا، ونُطلع الأحبة على أيامنا، ونحسب أننا بذلك قد فتحنا الأبواب كلها، لكن يبقى دائمًا ذلك الركن الذي لا يبلغه أحد، لا لأننا نتعمّد إخفاءه، بل لأن بعض ما فينا لا يُقال لأنه لا يُقال، لا لأنه سرّ، بل لأنه أعمق من أن تحمله كلمة.
الإمام الغزالي حين تحدّث عن علم المعاملة و علم المكاشفة في إحيائه، كان يشير إلى أن ثمة معرفة لا تُنقل بالتعليم ولا بالحديث، بل تُعاش وحدها، في تلك المسافة بين الإنسان ونفسه التي لا يشاركه فيها مخلوق.
وفي هذه الغرفة تُحفظ الكلمات التي ابتلعناها في اللحظة الأخيرة، خوفًا من أن تُفهَم على غير ما قصدنا، أو خشية أن تكسر شيئًا لا يُصلَح بعد الكسر، تُحفظ فيها الرسائل التي كُتبت ثم مُحيت، والدموع التي جفّت في العين قبل أن يراها أحد، والنسخة الأخرى منّا، تلك التي عاشت الحياة كما تمنّت لا كما فُرضت عليها. يقول المتنبي في بيت يشبه من يصف هذه الغرفة دون أن يقصدها:
وَإِذا كانَت النُّفوسُ كِبارًا
تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ
فبعض التعب الذي نحمله ليس تعب الجسد، بل تعب تلك النفس التي تريد أكثر مما يُسمح لها، وتظل تُرمّم داخلها صورة الحياة التي كان يمكن أن تكون.
ولعل أخطر ما يقع فيه الإنسان أنه يظن نفسه قادرًا على قراءة الآخرين من ظاهرهم، فيصدر حكمه على غرفهم المغلقة استنادًا إلى واجهة بيوتهم.
الفيلسوف الألماني نيتشه، في تأمّلاته عن الإنسان الحقيقي مقابل القناع الذي يرتديه أمام الجموع، كان يرى أن أعمق ما في الإنسان لا يظهر إلا حين يُترك وحده، بعيدًا عن أعين تُقيّمه، وهذا بالضبط ما يجعل التسرّع في الحكم على الناس ضربًا من الجهل المطمئن إلى نفسه، فنحن نحكم على ما نرى، والذي نراه ليس إلا الرواق الخارجي لبيت لا نعرف كم غرفة فيه، ولا ماذا تحمل كل غرفة من صمت.
من هنا كانت حكمة الأولين حين حذّروا من الحكم على الظاهر وحده. فـرُبَّ أخٍ لم تلده أمك، كما قيل، ورُبّ غريب أقرب إلى روحك من ألف قريب.
القربى التي تصنعها الدماء أو الجوار لا تضمن دخول تلك الغرفة، بينما قد يفتحها الإنسان، ولو مرة واحدة في العمر، لغريب مرّ به عابرًا فأحسّ أنه فَهِمَ دون أن يُطالِب بالفهم، وهذا سرّ ما يشبه المفارقة في العلاقات الإنسانية، أن الألفة الطويلة قد تُنتج قربًا سطحيًا معتادًا، بينما تُنتج لحظة صدق عابرة قربًا لا يُنسى.
ولذلك، فإن أكثر الناس هدوءًا من الخارج قد يكونون أكثرهم ازدحامًا من الداخل.
الهدوء الذي نراه على وجوههم ليس غياب العاصفة، بل مهارة اكتُسبت بالتعب في احتوائها، وهذا ما يفسّر لماذا يخطئ من يظن أن السكون علامة الفراغ، وأن الصخب علامة الامتلاء، ربّ إنسان صامت يحمل في صدره ضجيجًا لا يهدأ، وربّ صاخب لا يملك في داخله إلا الصدى.
الرومي، في مثنويّته، يصف القلب بأنه كالمرآة التي تحتاج إلى تنظيف مستمر من الغبار حتى تعكس النور، وكأنه يقول إن هذه الغرفة الداخلية ليست مكانًا للإخفاء بقدر ما هي مكان للتطهّر، مكان نعود إليه لا لنُخفي عن الناس بل لنُصفّي أنفسنا من زحامها.
من لا يملك غرفة كهذه، مكانًا يخلو فيه إلى ذاته دون رقيب، يُخشى عليه أن يذوب في ضجيج الآخرين حتى يفقد صوته الخاص.
فإذا عرفت هذا عن نفسك، فاعرفه عن غيرك. لا تتعجل الحكم على من أمامك، فربما كان أكثر الناس صخبًا في الظاهر هو أشدّهم وحشة في الداخل، وربما كان أهدأهم أكثرهم عاصفة، وامنح الناس من الرأفة ما تحتاجه أنت حين يُحكَم عليك من ظاهرك وحده،كل إنسان يحمل غرفة، وكل غرفة تستحق ألا تُقتحَم، بل أن تُحترَم.
0



