كتاب الرأي

الأسرة السعودية… استثمار في مستقبل الوطن

قرأت باهتمام ما طرحه معالي الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري حول انخفاض معدلات المواليد، وهو موضوع مهم يستحق أن نتعامل معه بعيداً عن التهويل أو التقليل من أهميته؛ فالقضية لا تتعلق بعدد المواليد اليوم فحسب، وإنما بمستقبل الأسرة، والتركيبة السكانية، والقوى العاملة، واستدامة التنمية بعد عشرين أو ثلاثين عاماً.
والأرقام تؤكد وجود تحول ديموغرافي يستحق الدراسة. فقد انخفض معدل المواليد في المملكة بصورة ملحوظة خلال العقود الماضية، كما تشير البيانات الدولية إلى انخفاض معدل الخصوبة الكلي مقارنة بما كان عليه قبل عقود، وإن كان لا يزال قريباً من مستوى الإحلال السكاني المعروف دولياً بنحو 2.1 طفل لكل امرأة. لكن الاتجاه العام نحو الانخفاض يستحق المتابعة والدراسة.
وهنا – في تقديري – ينبغي أن ننتقل من الحديث عن العَرَض إلى البحث عن السبب. لماذا يتأخر بعض الشباب والفتيات في الزواج؟ وما أثر تكاليف الزواج والسكن والمعيشة والعمل وتغير نمط الحياة؟ ولماذا تتجه بعض الأسر إلى تأخير الإنجاب أو تقليل عدد الأطفال؟ هذه أسئلة لا ينبغي أن نجيب عنها بالانطباعات، بل من خلال دراسات ميدانية وطنية موثوقة. وقد واجهت دول متقدمة، مثل اليابان وألمانيا وغيرها، تحديات مرتبطة بانخفاض معدلات الخصوبة وشيخوخة السكان، واضطرت إلى تبني سياسات وبرامج متعددة لمعالجة آثارها. ومن هنا تبرز أهمية أن ندرس هذه التحولات مبكراً، وألا ننتظر حتى تصبح معالجتها أكثر صعوبة وكلفة.
وأقترح في هذا الجانب إنشاء برنامج وطني للأسرة والزواج والنمو السكاني، تشرف عليه جهة وطنية ذات صلاحيات واضحة، وتشارك فيه الجهات الحكومية والجامعات ومراكز البحوث والقطاع غير الربحي؛ يتولى متابعة المؤشرات السكانية، وإجراء الدراسات الميدانية، ومعرفة أسباب تأخر الزواج وانخفاض الإنجاب، ثم اقتراح الحلول وقياس نتائجها بصورة دورية.
كما ينبغي دراسة حزمة من المحفزات العملية لتيسير الزواج وتكوين الأسرة؛ بدءاً من خفض تكاليف الزواج والحد من المبالغة في متطلباته، مروراً بتسهيل السكن ودعم الأسر في سنواتها الأولى، وتوفير خدمات حضانة الأطفال ورعايتهم، وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين متطلبات العمل والحياة الأسرية. ويمكن كذلك دراسة حوافز اقتصادية واجتماعية متدرجة للأسر، وفق ضوابط واضحة، وبعد قياس أثرها وجدواها.
والهدف ليس العودة إلى معدلات الإنجاب المرتفعة التي كانت سائدة قبل عقود، وإنما المحافظة على توازن سكاني مستدام، وعدم الانتظار حتى ينخفض معدل الخصوبة إلى مستويات يصبح التعامل مع آثارها أكثر صعوبة وكلفة.
ولدينا – ولله الحمد – فرصة للتحرك مبكراً. فقد جعلت رؤية المملكة 2030 الإنسان وجودة حياته محوراً أساسياً للتنمية، والأسرة هي الحاضنة الأولى لهذا الإنسان. ولذلك فإن حماية الأسرة، وتيسير الزواج، وتأمين بيئة تساعد على الإنجاب وتربية الأبناء، ليست شأناً اجتماعياً فحسب، بل استثمار طويل الأجل في مستقبل الوطن.
وأرى أن البداية الصحيحة هي إجراء مسح وطني شامل للشباب والشابات والأسر السعودية، نتعرف من خلاله على الأسباب الحقيقية، ثم نبني السياسات والحوافز على البيانات لا على الافتراضات.
فكما نخطط لعقود مقبلة في الاقتصاد والصناعة والطاقة والمياه، فإن الإنسان السعودي والأسرة السعودية أولى بالتخطيط الاستراتيجي للمستقبل.

أ.د. عوض بن خزيم الأسمري

رئيس جامعة شقراء، عضو مجلس الشورى السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى