المقالات

جامعة الملك عبدالعزيز بلا أسوار

حين تعود الجامعة إلى المدينة

ليست كل الأسوار التي تفصل بين الأماكن تُبنى من أجل الحماية، فبعضها يبقى قائمًا لأننا اعتدنا وجوده، حتى بعد أن تتغير المدينة من حوله وتتغير احتياجات سكانها.

ومن هنا تبرز فكرة تستحق أن تُطرح للنقاش الجاد أمام المخططين وصنّاع القرار في مدينة جدة:

هل آن الأوان لإعادة النظر في الأسوار المحيطة بجامعة الملك عبدالعزيز، وفتح الحرم الجامعي على المدينة؟

جامعة الملك عبدالعزيز ليست مبنى تعليميًا عابرًا، وإنما واحدة من أهم المؤسسات العلمية في المملكة، وتحتل المدينة الجامعية مساحة شاسعة في شمال جدة؛ وتشير البيانات المنشورة إلى أن مساحة المدينة الجامعية تبلغ نحو خمسة ملايين متر مربع، ضمن مساحة أكبر لمشروعات الجامعة.

وعندما تكون لدينا مساحة بهذا الحجم داخل نسيج مدينة كبرى مثل جدة، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كيف نحمي الجامعة من المدينة؟

بل ربما أصبح السؤال الأكثر أهمية:

كيف نجعل الجامعة جزءًا من المدينة؟ وكيف نجعل المدينة تستفيد من جامعتها؟

السور الذي يفصل أكثر مما يحمي

امتداد سور الجامعة على مساحة كبيرة يجعل الحرم، من منظور التخطيط الحضري، كتلة عمرانية ضخمة مغلقة داخل المدينة، ويحد من انسيابية الحركة بين المناطق الواقعة شماله وجنوبه، خصوصًا في المواقع التي يمكن أن تخدمها شبكة أكثر نفاذية من الطرق والممرات والمشاة.

وهنا لا نتحدث عن إزالة هوية الجامعة أو التخلي عن أمنها وخصوصيتها؛ فهذه أمور يمكن المحافظة عليها بوسائل أمنية وتقنية حديثة، وبنظام ذكي يحدد المناطق الأكاديمية والإدارية الحساسة، من دون أن تتحول كامل حدود الجامعة إلى حاجز عمراني صلب.

فالعالم يتجه في كثير من التجارب الحديثة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الحرم الجامعي والمدينة، بحيث تصبح الحدود أكثر نفاذية، وتتحول بعض المساحات إلى أماكن مشتركة يستفيد منها الطلاب والسكان والزوار.

وتشير الأدبيات الحديثة في التخطيط الجامعي إلى أن دمج الجامعة في النسيج الحضري يمكن أن يعزز المشاة والتفاعل الاجتماعي والخدمات والمساحات العامة.

ماذا لو أصبح السور بوابة لا حاجزًا؟

تصوروا جدة وقد تغيرت علاقتها بهذا الجزء الكبير من مدينتها.

شوارع أكثر اتصالًا من الشمال إلى الجنوب.

ممرات للمشاة والدراجات.

مساحات خضراء يمكن أن تمتد بصريًا وحركيًا إلى المدينة.

مقاهٍ ومطاعم وخدمات ومراكز ابتكار ومعارض ومرافق ثقافية ورياضية يمكن أن تخدم المجتمع، وفق ضوابط واضحة.

ومناطق جامعية تظل خاصة وآمنة، في الوقت الذي تصبح فيه أجزاء أخرى من الحرم أكثر انفتاحًا على سكان جدة.

هنا لا تكون إزالة السور مجرد مشروع إنشائي، وإنما مشروع لإعادة تشكيل العلاقة بين الجامعة والمدينة.

وهذا الاتجاه ليس فكرة نظرية فقط؛ فقد تناولت دراسات عمرانية تجارب فتح أجزاء من الجامعات أمام المجتمع للاستفادة من المساحات الخضراء والمرافق والخدمات، ومنها دراسة حالة جامعة عين شمس في القاهرة التي بحثت إمكانية الاستفادة من الحرم الجامعي بوصفه موردًا للمساحات العامة في المدينة.

جامعة تخدم المجتمع خارج قاعات الدراسة

الجامعة الحديثة لم تعد مكانًا للطالب والأستاذ فقط.

إنها مركز للمعرفة والابتكار والثقافة والاقتصاد والخدمات المجتمعية.

ولهذا فإن فتح أجزاء من جامعة الملك عبدالعزيز على المجتمع يمكن أن يمنح جدة فرصًا جديدة لإنشاء منظومة من الأنشطة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية حول الجامعة، بما ينسجم مع مكانتها العلمية ودورها الوطني.

وقد تكون هناك فرص استثمارية مدروسة في بعض المناطق الطرفية للحرم، من خلال شراكات مع القطاع الخاص، لإنشاء مرافق تجارية وثقافية ورياضية وخدمية، بحيث تتحول بعض حدود الجامعة من مناطق صامتة مغلقة إلى واجهات حضرية نابضة بالحياة.

والأهم أن هذه الاستثمارات لا ينبغي أن تكون غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحسين جودة الحياة وخدمة المجتمع وتعزيز موارد الجامعة.

من «جامعة داخل المدينة» إلى «جامعة جزء من المدينة»

أعتقد أن جدة اليوم مختلفة عن جدة التي أُنشئت فيها الجامعة قبل عقود.

كبرت المدينة، وازدادت الكثافة السكانية، وتغيرت أنماط الحركة، وأصبح الوصول وسهولة التنقل وجودة الحياة عناصر أساسية في التخطيط الحضري الحديث.

ولذلك فإن ما كان مناسبًا في مرحلة عمرانية سابقة قد يحتاج اليوم إلى إعادة تقييم.

وقد يكون من المناسب أن تبدأ جامعة الملك عبدالعزيز، بالتعاون مع أمانة جدة والجهات ذات العلاقة، دراسة عمرانية شاملة لا تضع إزالة السور كقرار مسبق، وإنما تبحث علميًا في:

* أثر فتح أجزاء من الحرم على الحركة المرورية.
* إمكانية استحداث محاور شمالية جنوبية.
* تحسين شبكة المشاة والدراجات.
* زيادة المساحات العامة والخضراء المتاحة للمجتمع.
* تحديد المناطق التي يمكن فتحها للعامة والمناطق التي ينبغي أن تبقى مؤمنة.
* دراسة الفرص الاستثمارية الممكنة.
* قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
* المحافظة على خصوصية الجامعة وأمنها الأكاديمي.
* تصميم حدود ذكية ومرنة بدل الحدود الصلبة التقليدية.

وهكذا يصبح القرار نتاج دراسة علمية وتخطيط حضري متكامل، وليس مجرد إزالة سور.

فرصة لجدة… قبل أن تكون فرصة للجامعة

الأجمل في الفكرة أن المستفيد الأول لن يكون الجامعة وحدها.

المستفيد الأول هو جدة.

فكل شارع يُفتح، وكل مسار مشاة يُستحدث، وكل مساحة خضراء تصبح أكثر اتصالًا بالمدينة، وكل خدمة جامعية يمكن أن تصل إلى المجتمع، وكل نشاط ثقافي أو رياضي أو ابتكاري يصبح متاحًا بصورة منظمة؛ هو إضافة إلى جودة الحياة في المدينة.

إن الجامعة تمتلك رأس مال معرفيًا ومكانيًا وبشريًا هائلًا، ومن حق المدينة أن تستفيد منه، كما أن من حق الجامعة أن تكون أكثر حضورًا وتأثيرًا في محيطها.

وقد خلصت دراسة حديثة تناولت علاقة جامعة حائل بالمدينة إلى أن العزلة المكانية وضعف الاتصال بالمجتمع يمكن أن يحدا من المشاركة الاجتماعية والاستفادة من الأصول والخدمات، واقترحت إعادة دمج الجامعة في محيطها الحضري وتفعيل إمكاناتها الاجتماعية والاقتصادية.

لا نهدم السور… بل نهدم فكرة العزلة

وربما تكون العبارة الأدق:

لسنا بحاجة إلى هدم الجامعة، وإنما إلى هدم فكرة الجامعة المعزولة عن مدينتها.

يمكن أن تبقى القاعات والمعامل والمختبرات والمراكز البحثية والمرافق الحساسة في بيئة آمنة ومحكومة، وفي الوقت نفسه يمكن أن تصبح الحدائق والساحات والمرافق الثقافية والرياضية والخدمات المجتمعية وبعض الواجهات التجارية أكثر انفتاحًا على جدة.

وهذا هو مفهوم الجامعة المفتوحة الذي بدأت جامعات حول العالم تعيد التفكير من خلاله في الحدود التقليدية بين الحرم الجامعي والمدينة. بل إن جامعة عجمان في الإمارات أعلنت توجهًا لإزالة الحواجز الخارجية وفتح أجزاء من مساحتها للمجتمع، بما في ذلك مسارات المشي والدراجات وبعض المرافق والخدمات.

جدة تستحق هذه التجربة

ربما تكون جامعة الملك عبدالعزيز، بما تمثله من قيمة علمية وتاريخية، وبما تمتلكه من مساحة وموقع وإمكانات، المكان الأنسب في جدة لبدء تجربة سعودية رائدة في مفهوم الجامعة المفتوحة.

ليس المطلوب أن تُفتح الجامعة بالكامل، ولا أن تُلغى ضوابط الأمن والخصوصية.

المطلوب أن نعيد التفكير في الحدود.

أن يصبح السور أقل صلابة.

وأن تصبح الجامعة أكثر اتصالًا.

وأن تتحول بعض الحواجز إلى مسارات.

وبعض المساحات المغلقة إلى مساحات مشتركة.

وبعض الحدود إلى جسور.

فإذا كانت الجامعة بيتًا للعلم، والعلم بطبيعته لا يعرف الحدود، فلماذا تبقى الجامعة نفسها خلف حدود لا تحتاجها المدينة بالضرورة؟

ربما آن الأوان لأن ننتقل من سؤال: كيف نحمي الجامعة من المدينة؟

إلى سؤال أكثر طموحًا: كيف نجعل جامعة الملك عبدالعزيز أحد أجمل الأصول التي ترتقي بجودة حياة مدينة جدة؟

إنها ليست دعوة لإزالة سور…

بل دعوة لإعادة وصل قلب علمي نابض بقلب مدينة نابضة.

أحمد سعيد الحُريري

مدير رعاية الموهوبين سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى