المقالات

حين أضرم الهوى قلبَ سلطان العاشقين

يُروى أن الشاعر الصوفي المعروف ابن الفارض، الملقب بـ«سلطان العاشقين»، تعلّق قلبه بفتاة من الجوار، وهام بحبها، غير أنه كان عفيف النفس، كتوم الهوى، فلم يُطلع أحدًا على ما ألمّ به من شوق وصبابة. وظل يكتم وجده حتى أضناه المرض، وأشرف به على الهلاك.

وحين اشتد عليه المرض، اضطرت أمه إلى أن تستطلع حقيقة ما به، فعلمت بأمر الفتاة، ولما دنا أجله أرسلت إليها لتلقاه. فلما اقتربت منه، أنشد وهو يبوح بما أخفاه قلبه طويلًا:

«أُخفي الهوى ومدامعي تُبديه
وأُميتهُ وصبابتي تُحييه
ومُعذّبي حلوُ الشمائلِ أهيفٌ
قد جمعت كلّ المحاسنِ فيه
فكأنّهُ في الحُسنِ صورةُ يوسفٍ
وكأنني في الحُزنِ مثلُ أبيه»

فلما سمعت الفتاة أبياته، اقتربت منه أكثر، وفي أثناء ذلك سقط شيء من الشمع على وجهه فأحرقه، فتابع إنشاده:

«يا حارقًا بالنار وجهَ محبِّهِ
مهلًا، فإنّ مدامعي تُطفيهِ
أحرق بها جسدي وكلَّ جوارحي
واحرص على قلبي فإنك فيهِ
إن أنكر العشاق فيك صبابتي
فأنا الهوى وابن الهوى وأبيه»

وهكذا تبدو الحكاية، في صورتها الأدبية، كأنها مشهد من مشاهد العشق العذري؛ حبٌّ ظل حبيس الصدر، حتى إذا ضاق به القلب، أفصح عنه الشعر. وليس في الأبيات مجرد وصف لجمال المحبوب، بل صورة لإنسان يحاول أن يخفي وجده، فإذا بدموعه تفضحه، ويحاول أن يميت حبه، فإذا بصبابته تبعثه من جديد.

رحم الله ابن الفارض؛ فقد ترك للعاشقين شعرًا يفيض بالشجن، ويكشف كيف يستطيع الشعر أن يحوّل ألم القلب إلى جمال، وأن يجعل من لحظة عابرة حكاية تبقى في الذاكرة. ولعل أجمل ما في هذه الأبيات أنها لا تصرخ بالحب، بل تهمس به، والهمس الصادق أحيانًا أبلغ من كل صخب.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى