المقالات

عودك رنّان… حين تصبح الأغنية مرآةً لوطنٍ جريح

في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات، وتضيع الحقيقة بين ضجيج الشعارات، قد تعود أغنية قديمة لتبدو كأنها كُتبت لهذا اليوم. هكذا تبدو «عودك رنّان»؛ أغنية فيروزية كتب كلماتها زياد الرحباني، وأصبحت مع مرور الزمن أكثر من لحنٍ جميل، إذ تحولت إلى مرآةٍ للحرب والانقسام والحنين إلى وطنٍ يحاول أن يستعيد صوته بعد أن أرهقته الخصومات.

ارتبطت الأغنية بلبنان في سنوات الحرب الأهلية، وحملت في رمزيتها نقداً مريراً لتكرار الوساطات والعبارات السياسية التي لا تنتهي إلى حل. وكان زياد الرحباني قد أوضح في حديثٍ تلفزيوني أن الأغنية ذات دلالة طائفية، فيما أثارت عبارة «ضلّك دق يا علي» قراءات وتأويلات متعددة. غير أن الأهم من كل تلك التأويلات أن الفن استطاع أن يلتقط وجع الناس، وأن يحوّل تفاصيل الحرب والانقسام إلى ذاكرةٍ فنية باقية.

وإذا أسقطنا الأغنية على واقعنا العربي اليوم، سنجد أن «العود» لم يتوقف عن الرنين، لكن النغم تغيّر، وتعددت الأسطوانات المشروخة التي تعيد العزف على وتر الطائفية والمذهبية والعرقية والمناطقية. وفي خضم الفوضى، يتكرر المشهد ذاته: وسيط يأتي، ويعلن أنه يقف على مسافة واحدة من الجميع، ثم تتوالى الزيارات والتصريحات، بينما يستمر النزيف ويتسع نطاقه من بيتٍ إلى بيت، ومن حارةٍ إلى حارة، ومن دولةٍ إلى أخرى.

لقد أثبت التاريخ اللبناني أن الجرح، مهما طال، يمكن أن يجد طريقه إلى الالتئام. فالحرب الأهلية اللبنانية انتهت باتفاق الطائف عام 1989، وبدأ اللبنانيون رحلة شاقة نحو إعادة بناء وطنهم ولمّ شملهم. ومن هنا تكتسب «عودك رنّان» معنى يتجاوز زمانها ومكانها: فالعودة إلى الوطن ليست حلماً مستحيلاً، حتى بعد أقسى سنوات الضياع.
أما اليوم، فإن أخطر ما يواجه مجتمعاتنا ليس اختلافها، فالاختلاف سنة الحياة، وإنما تحويل الاختلاف إلى وقودٍ للفتنة. وتزداد الخطورة حين تتكفل بعض المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي بتضخيم الاستفزاز، وصناعة «رنات» جديدة أكثر صخباً من الأغنية الأصلية، حتى يصبح الناس أسرى لنغمٍ لا يقود إلا إلى مزيد من الانقسام.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نستسلم لهذا النغم. فالأوطان لا تحيا بالضجيج، وإنما بالوعي، ولا تُحمى بتكرار الأسطوانات المشروخة، وإنما بالحكمة، وبإدراك أن ما يجمع أبناء الأمة أكبر بكثير مما يفرقهم. لقد بقي صوت فيروز حياً لأن الفن الصادق ينتصر على ضجيج اللحظة، وبقيت الأغنية شاهدة على أن لبنان، رغم جراحه، قادر على العودة.

ولعل رسالتها لنا اليوم أن نميّز بين الأغنية الأصلية ومقلديها، وبين النغم الذي يدعو إلى الوطن والنغم الذي يستدرجنا إلى الفتنة. فمهما اشتدت الرياح، يبقى الوعي قادراً على كسر الإيقاع الذي يريد بنا الانقسام. وسيظل «العود» رنّاناً، لكن السؤال الذي يخصنا جميعاً: أيُّ لبنانٍ نريد أن نسمع صوته؟

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى