المقالات

علي بن الجهم… حين تصنع الحضارة شاعرًا

علي بن الجهم (804–863م) شاعر عباسي نشأ في بغداد، وكان يختلف إلى الإمام أحمد بن حنبل، فيسأله عن مسائل الفقه والصفات وما يتصل بها. ثم رحل إلى خراسان والثغور والجبال ومصر والشام، واختص بالخليفة العباسي المتوكل، حتى كانت نهايته في إحدى رحلات الغزو، حين خرج من حلب متوجهًا إلى الثغور، فاعترضته خيل من كلب، فقاتلها وقُتل. وله ديوان شعر بقي شاهدًا على موهبته ومكانته في الشعر العباسي.

وتروي بعض كتب الأدب والتراث العربي حكاية طريفة تكشف جانبًا من شخصيته، وتصور في الوقت نفسه أثر البيئة في تشكيل لغة الشاعر وصوره.
وقف علي بن الجهم لأول مرة بين يدي الخليفة المتوكل مادحًا. وكان شاعرًا بدوي الطبع، فصيح اللسان، مطبوعًا على الشعر، غير أن قربه من البادية جعله يستمد صوره وتشبيهاته من عالمها ومفرداتها. فقال في مدح الخليفة:
أنتَ كالكلبِ في حِفاظِكَ للودِّ
وكالتيسِ في قِراعِ الخطوبِ
أنتَ كالدلوِ، لا عدمناكَ دلوًا
من كبارِ الدِّلاءِ، كبيرَ الذنوبِ

فدهش الحاضرون من هذه التشبيهات؛ كيف يمدح شاعرٌ خليفةً فيشبّهه بالكلب في الوفاء وحفظ الود، وبالتيس في مواجهة الخطوب، وبالدلو في عطائه وغزارته؟

لكن المتوكل لم يغضب، ولم يأخذ الكلام على ظاهره؛ بل أدرك بلاغة الشاعر ونبل مقصده، وفهم أن خشونة ألفاظه إنما جاءت من طبيعة البيئة التي عاش فيها، وأن الصور التي استعملها كانت مألوفة في عالم البادية. وأراد الخليفة أن يفتح أمام الشاعر نافذة أخرى يرى من خلالها حياة بغداد وحضارتها وترفها، فأمر له بدار جميلة على شاطئ دجلة، ليقيم فيها ويخالط أهل المدينة ويطالع مظاهرها.

أقام علي بن الجهم مدة في بغداد على هذه الحال، واتصل بالعلماء والأدباء، وجالس أهل المعرفة، وأتيح له أن يرى عالمًا مختلفًا عن عالم البادية الذي تشكلت فيه لغته وصوره الشعرية. ثم استدعاه المتوكل ذات يوم، فأنشده الشاعر قصيدة جديدة، وكانت المفاجأة.

لقد تغيرت اللغة والصور والإيقاع، وأصبح الشاعر الذي كان يستمد تشبيهاته من الكلب والتيس والدلو يقول في مطلع قصيدته الشهيرة:
عيونُ المها بينَ الرُّصافةِ والجسرِ
جلبنَ الهوى من حيثُ أدري ولا أدري

وكانت القصيدة من أرق الشعر وأعذبه، حتى قال المتوكل، متعجبًا من التحول الذي طرأ على شاعره: انظروا كيف تغيرت به الحال، والله خشيت عليه أن يذوب رقةً ولطافةً.

ثم تتوالى في القصيدة صور العاطفة والشكوى والهجر، فيقول:
خليليَّ، ما أحلى الهوى وأمرَّهُ
وأعرفني بالحلوِ منه وبالمُرِّ
بما بيننا من حُرمةٍ هل علمتما
أرقَّ من الشكوى، وأقسى من الهجرِ
وأفضحُ من عينِ المحبِّ لسرِّهِ
ولا سيما إن أطلقتْ عبرةً تجري

وسواء أكانت تفاصيل الحكاية قد وصلت إلينا كما وقعت تمامًا، أم أضاف إليها الرواة من لطائف الأدب ما جعلها أكثر طرافة، فإن معناها يظل بالغ الدلالة: الإنسان ابن بيئته، لكن البيئة ليست قدرًا نهائيًا؛ فحين تتسع التجربة، تتسع اللغة، وتتغير الصور، ويتحول التعبير.

وهكذا لم يكن انتقال علي بن الجهم من البادية إلى بغداد مجرد انتقال من مكان إلى مكان، بل كان رحلة في الوعي والذائقة. لقد رأى عالمًا جديدًا، فانعكس ذلك على شعره، وأصبح المثال الأشهر على قدرة الإنسان على التطور حين تتغير البيئة وتتسع دائرة التجربة.
ولعل أجمل ما في حكاية علي بن الجهم أنها تذكرنا بأن الموهبة وحدها لا تكفي دائمًا؛ فالبيئة تصقلها، والتجربة توسعها، والثقافة تمنحها أدوات جديدة. وبين «الكلب» و«المها»، رحلة شاعر تكشف كيف تستطيع الحضارة أن تعيد تشكيل لغة الإنسان، من غير أن تطفئ جذوة موهبته الأولى.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى