المقالات

دمٌ أسودٌ…!! وسداسية النقد والتعريف

(*) قراءة نقدية في رواية (دم أسود)، للروائي السعودي عثمان سعيد الغامدي، ط1، 1447هـ، دار النخبة للنشر والتوزيع، 2026م.

(1) قبل عشرين عاماً.. أطلعني الصديق الأديب والقاص التربوي عثمان سعيد الغامدي، على مسودة لهذه الرواية التي بين أيدينا الموسومة بـ/ دم أسود.. ذكرني بذلك القاص نفسه عندما أهداني الرواية مساء السبت 20/12/1447ه// 6/6/2026م، وقال لي حينها أنني كنت سبباً في تأخيرها بسبب الملحوظات والمقترحات التي أبديتها آنذاك!!
طبعا – لم أتذكر تلك الملحوظات والمقترحات.. ولم أتذكر أنه فعلاً أطلعني عليها.. فالذاكرة شاخت.. والمشاغل أرهقتنا وأنستنا كثيراً من تفاصيل الماضي.. ولكنه بالتأكيد صادق فيما قال، لأنني أعرف إنجازاته الكتابية/ القصصية واطلعت عليها وقدمت بعضها وأشرفت على طباعة إحدى أعماله، ولا يستبعد أنه عرض عليَّ هذه الرواية في مسودتها الأولية وكتبت، عنها وحولها ما كتبت مما أظنه كان سبباً في التعديل والتغيير وانتظار الوقت المناسب للطبع والنَّشر، الذي تحقق هذا العام 1447هـ/2026م والحمد لله!!
* * *
(2) (دم أسود) عنوان لافت ومثير لهذه الرواية، لأنه يحمل دلالات الغموض ورمزية الموت والتطهير والسحر.. وربما الفساد الأخلاقي والضبابية في الأشياء وحمولاتها.. وباختصار الدم الأسود يحمل طاقة سلبية واكْتِئاب وسوداوياته في النظر للمستقبل!!
ومن هنا جاءت الرواية في مجملها تحمل هذا التنوع من الدلالات والثيمات التي بلورها الأديب/ الروائي/ عثمان الغامدي مجسداً كل ذلك في العتبة النَّصيَّة الموازية أو العتبة العنوانية، ومنها تتشظى الرموز، وتنثال الدلالات، وتُسْتَبطَنْ الجماليات.
* * *
(3) وبالتثاقف مع المتن الروائي نجد أننا أمام ثنائيتي القرية والمدينة.. القرية حيث فضاءاتها المكانية، ومفرداتها المحلية، ومسمياتها التراثية، وكينونتها المجتمعية حيث الألفة والحميمية، والأسرية الواحدةَ!!
والمدينة حيث التعاليات المكانية، والثقافات المتداخلة، والتنامي الحضاري، والتجليات المدنية، المؤدي إلى التعقيد والتبدل القيمي.
وفيما بين القرية والمدينة نجد التضاد في الأخلاقيات، والعلاقات والتمظهرات.. بين العادات والمسارات والتجاذبات.. فلكل من القرية والمدينة فضاءها المختلف الذي يمثل الواقع وتشظياته.
كل هذه الصور والمظاهر نجدها بارزة/ واضحة في المتن الروائي الذي قسَّمه الراوي/ المؤلف إلى (ست فروع/ فصول/ أبواب/ تفريعات)، وجاءت في (142 صفحة)، مليئة بالجماليات النَّصيَّة واللغة الشعرية، والفلسفة الفكرية.
* * *
(4) ومن الصفحة (5) يطالع القارئ تلك البقعة السوداء التي تحمل رمزية العنوان (الدم الأسود) نقطة دموية/ سوداوية، ولكنها صفحة الإهداء فما الذي يريد قوله المؤلف/ الراوي/ الأستاذ عثمان بن سعيد الغامدي؟! فالعادة المتعارف عليها أن يكون الإهداء رسالة تكريمية/ واحتفائية لأحد ما/ أستاذاً/ مفكراً/ زوجة/ أبناءً/ أباً أو أماً! لأي أحد له اهتمام وعلاقة بالمعطى الروائي.. ولكن صاحبنا يهدي قراءه هذه البقعة الدموية/ السوداوية.. وكأنه يشير ويلمح إلى مقومات هذه الرواية.. ومافيها من تداعيات وتجليات!!
بجثت عن (الدم) ودلالاته فوجدت أول إشارة له في ص11 وص12.
” ألقت بالودع مرة ثانية، دماء كثيرة ستسيل!!!”.
” دمه لم يذهب هدراً”.
” وحررتني من هذه الأجواء المشحونة بالدم والنار!!”.
وتتنامى هذه (الدموية) بشكل مستفيض، ولكنها تحمل معاني الدمار والثأر والحروب والصراعات!!
* * *
(5) ولعله من نافلة القول، أن هذه الرواية – بكل معطياتها وجمالياتها- تمثل التوثيق الصادق للتحولات المجتمعية، والروح الوطنية التي يبشر بها الروائي، ويعبر عنها في روايته بشكل توثيقي/ تاريخي.. وكل هذا يسهم في حفظ وتوثيق الذاكرة الشعبية وينقلها للمجتمعات والأجيال القادمة.
ولكن على المستوى الفني/ الروائي تغريك بالتواصل القرائي والإعجاب الجمالي حيث يعيش القارئ تجربة (الواقعية الجغرافية) فيجد مسميات الجغرافيا/ المحلية وهي أماكن واقعية يعرفها أبناء المنطقة، كما يجد المزيج من المفردات/ المعجمية/ المحلية بمسمياتها التراثية الأصيلة وهي مفردات غارقة في المحلية والتراث، مما يعطي القارئ المتثاقف بعض الأبعاد التصويرية للمجتمع والموروث الحضاري/ للمنطقة/ مكان الحدث الروائي!!
كما تستوقفك كقارئ بيئة الأحداث وتراجيديتها، بجيث يقتنع القارئ أنه أمام واقع تستشري فيه الصراعات القبلية، رغم المثالبة المفترضة في مجتمع متحدًّ في العادات والتقاليد والحضارة المجتمعية، إلا أنه يحمل الكثير من الحمولات المجتمعية السلبية كالثأر والقتل والفقر والظلم وكل ذلك متوقع ومعروف.
وأخيراً تعجبك كقارئ تلك اللغة الشاعرية وجماليات الوصف والتصوير فأنت أمام معجم لغوي شاعري، وأيقونات لغوية متماسكة، وتصويرات جمالية فاتنة، ومنها هذه المقتبسات:
” تشق قلبك وتغسله بالماء والبَرَدْ عندما تلامس إحدى/ رجليك سهول تهامة والرجل الأخرى، السهول الشرقية، ولا يكفي أن تكون طويلاً بهذا القدر!! عليك أن تكون صادقاً كالسيف، نقياً كالضوء، هناك مكان شاغر في القمَّة عليك أن تصله قبل غيرك”.
ويقول ص 5:
” فكل واحدة مِنْهُنَّ تمد يدها صباحاً لقرص الشمس، لتأخذ منه مشعلاً تصنع عليه قهوة الصباح، وعندما يأتي المساء تجدها قد حفظت كل زقزقات العصافير ووشوشات حفيف السنابل/ لتعطر المساء وتفرش هدب العيون”.
ويقول ص 109:
” مرت الإجازة الصيفية وكنت أقرب ما يكون إلى الأرض، شممت في تبرها عطراً لم أشمَّه من قبل، وزرعت شجرتين أسميتهما سيد العشاق، وأنبل الطهر، ما مر عام إلا وأكلنا من ثمرهما…”.
كلام كثير من هذا القبيل جمال في اللغة، جمال في الأسلوب، جمال في التصوير.. وهذا يعني أن الروائي/ المؤلف بمتلك ناصية الأسلوب واللغة والجمال الشاعري وفي هذا دلالة على الفكر الحر والقراءات المستففيضة، والإبداع والعطاء!!
* * *
(6) وهكذا كنَّا في سياحة معرفية/ جمالية، ورحلة نقدية أدبية تناولنا فيها رواية محلية/ سعودية، مثاقفة وتدارساً، فيه من النقدية سماتها، ومن التعريفية صورتها، ومن التلاقح الفكري إيجابياته وتطبيقاته.
فشكراً للروائي عثمان سعيد الغامدي هذه الإطلالة الجديدة وننتظر منه المزيد إن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين.

جدة: مساء الخميس 7/3/1448هـ
ظهر السبت 16/3/1448هـ

د. يوسف العارف

شاعر وناقد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى