كتاب الرأي

وصية لم يكتبها المثقف

للمثقف حكاية طويلة مع مكتبته، تبدأ غالبًا بكتاب، ثم رف، ثم خزانة، ثم غرفة كاملة لا يعرف متى امتلأت ولا كيف تكاثرت كتبها.

يشتري كتابًا اليوم، ويعود غدًا بآخر، ويسافر فيحمل معه كتبًا، ويزور معرضًا للكتاب فيعود محملًا بما يكفيه عامًا، ثم يذهب إليه في العام التالي وكأنه لم يشتر شيئًا.

هكذا يبني مكتبته طوال عمره.

يعرف أماكن كتبه، ويتذكر من أهداه هذا الكتاب، ومن أين اشترى ذاك، ومتى قرأه. وفي بعضها إهداءات، وفي أخرى ملاحظاته وخطوطه تحت جملة أعجبته أو فكرة اختلف معها. ومع السنوات تصبح المكتبة جزءًا من حياته.

لكنني اكتشفت مؤخرًا شيئًا أخافني قليلًا:

كتبي لم تعد تعرفني!

هجرتها طويلًا، حتى أصبحت حين أعود إلى بعضها أشعر أن بيني وبينها جفوة. صفحات كنت ألتهمها أصبحت تستعصي عليّ، وكتب كنت أجلس معها بالساعات صرت أغادرها بعد صفحات قليلة. حتى صفحاتها أشعر أنها أصبحت يابسة من طول هجري لها!

ولا أدري هل تغيرت الكتب أم تغير صاحبها؟

ربما نحن الذين تغيرنا. أخذتنا الشاشات بعيدًا، وأصبحت جلساتنا الطويلة مع الكتاب أقصر.

حتى المكتبة تغير موقعها في بيوتنا.

كانت يومًا تتصدر مجالس الرجال. يستقبل بها صاحب المنزل ضيوفه، ويراها الضيف قبل مجيء القهوة والتمر والضيافة. وكانت بعض المجالس تعرف أصحابها من مكتباتهم؛ فهذا مولع بالتاريخ، وذاك بالأدب، وثالث بالدين، ورابع جمع من كل بستان كتابًا.

أما اليوم فقد توارت المكتبات عن الأنظار، وكأنها أصبحت من أهل البيت الذين لا يكشفون على الرجال!

تغيرت المجالس وتغير أثاثها، وضاقت مساحة الكتاب فيها. وبعض الكتب انتهى بها المطاف في البدروم، فيما أسميه «منفى الكتب»؛ وهناك تقل زيارات صاحبها إليها، حتى يصبح غريبًا عن الكتب التي قضى عمره في جمعها.

لا هي خرجت من المنزل، ولا بقيت في حياة أهله. تقيم في الأسفل تنتظر مصيرها.

لكن هناك سؤالًا أكبر:

ماذا سيحدث لكل هذه الكتب بعد أن نموت؟

ولو جلس أحدنا وحسب ما أنفقه على مكتبته طوال حياته، ربما فوجئ بالرقم.

آلاف الكتب، بعضها اشتراه بعشرة ريالات، وبعضها بمئة، وبعضها بأكثر. وقد يكون هناك كتاب اشتراه صاحبه قبل أربعين عامًا بثمن بسيط، ثم أصبح اليوم نادرًا يبحث عنه هواة الكتب ويدفعون فيه أضعاف سعره.

وهنا مفارقة عجيبة.

الكتب القديمة النادرة يزيد سعرها ويغلى ثمنها كلما مر عليها الزمن، لكن مكتبة صاحبها بعد رحيله قد يوضع لها مزاد يبدأ بريال، وإذا ارتفع السعر لم يتجاوز ثلاثة ريالات للكتاب!

كتاب بحث عنه صاحبه سنوات، وانتظر معرضًا سافر إليه ليشتريه، وحمله معه من بلد إلى بلد، يصبح فجأة في مزاد ينتظر من يزيد عليه ريالًا.

قيمة مكتبة الوالد لا تحسب بالفواتير وحدها.

هناك كتاب قيمته في إهداء كتبه مؤلفه بخط يده، وآخر في ملاحظات صاحبه على صفحاته، وثالث رافقه في مرحلة مهمة من حياته، ورابع ربما لا يساوي في السوق شيئًا، لكنه عند صاحبه يساوي ذكرى لا تقدر بثمن.

وقد يراه تاجر الكتب المستعملة كتابًا قديمًا لا يساوي إلا ريالات قليلة، بينما يراه صاحبه جزءًا من عمره.

صاحب المكتبة يبنيها وهو يتخيل أنها ستبقى بعده.

يراها إرثًا لأولاده وأحفاده، وصدقة جارية ينتفع بها طالب علم، ومكانًا يذكره به أبناؤه.

وربما تخيل أن يدخل ضيف إلى بيته بعد سنوات من رحيله، فيرى تلك الرفوف، فيقول أحد أبنائه بفخر:

هذه مكتبة الوالد.

لكن الحياة قد تكتب مشهدًا آخر.

قد يحتفظ الابن بصورة والده، يختار لها إطارًا جميلًا ويعلقها في صدر المجلس. وقد يحتفظ بنظارته، وقلمه، وساعته، وربما حتى بحذائه، باعتبارها أشياء تخصه وتذكر به.

ثم يتخلص من كتبه!

مع أن النظارة والقلم والحذاء ربما لم تكن تعني لوالده شيئًا يذكر، بينما قضى مع كتبه سنوات عمره، واختارها كتابًا كتابًا، وقرأها، وكتب على صفحاتها، وحمل بعضها معه من بلد إلى آخر.

وقد تكون رائحة الوالد باقية بين مجلداتها أكثر من بقائها في كثير مما احتفظنا به من مقتنياته.

تبقى الصورة على الجدار، والقلم في الدرج، وتغادر المكتبة المنزل!

ولا نلوم الأبناء ولا الأسرة.

هذه هي الحياة وعجائبها ومتغيراتها، وهذا هو فارق الهواية والاهتمام بين الأجيال. ما كان يعني الكثير للأب قد لا يعني الشيء نفسه للابن، وما قضى الأول عمره في جمعه قد لا يجد الثاني مساحة ليحتفظ به.

فالعلاقة بالكتاب لا تورث بالضرورة كما تورث البيوت والأموال.

ولهذا أعتقد أن المسؤولية تبدأ من صاحب المكتبة نفسه.

لماذا ينتظر المثقف أبناءه ليقرروا مصير مكتبته بعد وفاته؟

لماذا لا يقرر هو مصيرها في حياته؟

قد يحول جزءًا من منزله إلى مكتبة تحمل اسمه، أو إلى متحف صغير يحكي سيرته. ليس المقصود أن نضع آلاف الكتب خلف الزجاج، بل أن يختار منها ما يمثل مراحل حياته، والكتب التي أثرت فيه، والطبعات النادرة، والإهداءات، وملاحظاته، وصوره ووثائقه، وقلمه ونظارته أيضًا.

عندها تصبح المكتبة أكثر من رفوف كتب.

تصبح سيرة صاحبها.

وإذا تعذر بقاؤها في المنزل، فلماذا لا يتفق في حياته مع جامعة أو نادٍ أدبي أو مؤسسة ثقافية تحفظها، أو تحفظ الجزء المهم منها باسمه وتفتحها للباحثين والقراء؟

نحن اليوم نعيش في وطن أعاد للثقافة والتراث والمتاحف حضورها ضمن رؤية 2030، ووزارة الثقافة ومؤسساتها تهتم بحفظ الذاكرة الثقافية وإبراز أصحابها. لكن البداية، في رأيي، يجب أن تكون من المثقف نفسه.

أن يكتب سيرته، وأن يكتب معها سيرة مكتبته.

متى بدأها؟ وما أهم ما فيها؟ وما نوادرها؟ وما الكتب التي ارتبطت بمحطات حياته؟ ومن أصحاب الإهداءات؟ وأي الكتب لا يريد أن تتفرق؟

عندها لن يقف الأبناء بعد رحيله أمام آلاف المجلدات وهم لا يعرفون الفرق بين كتاب اشتراه بالأمس وكتاب قضى ثلاثين عامًا يبحث عنه.

وربما تكون هذه هي «وصية المكتبة» التي لم نكتبها.

ليست وصية تلزم الأبناء بأن يتحولوا إلى حراس للكتب، وإنما خطة يضعها صاحبها وهو حي حتى تستمر مكتبته بعده بالطريقة التي يريدها.

فإذا كان المثقف يريدها صدقة جارية، فعليه أن يفتح لها طريقًا إلى القارئ.

وإذا كان يريدها إرثًا، فعليه أن يشرح لورثته قيمتها.

وإذا كان يريدها شاهدًا على حياته، فعليه أن يحولها من مجموعة كتب إلى سيرة يمكن أن تُقرأ.

لقد قضينا أعمارنا نبني مكتباتنا.

ربما حان الوقت أن نفكر كيف نجعلها تعيش بعدنا.

حتى لا يأتي يوم تبقى فيه نظارتنا وقلمنا وصورتنا في المنزل…

وتذهب كتبنا إلى المنفى.

عبدالله أحمد الزهراني

عبدالله أحمد الزهراني، رئيس تحرير صحيفة مكة الإلكترونية، حاصل على درجة الماجستير في الاتصال والإعلام الرقمي من جامعة الملك عبدالعزيز، ويُعد من أبرز كتّاب الرأي في الإعلام السعودي المعاصر. يجمع في أسلوبه بين التحليل السياسي العميق والطرح الساخر الواعي، حيث يقدّم مقالات تتناول قضايا الوعي الوطني، والتحولات الإعلامية، والصراعات الدولية، ضمن رؤية فكرية تعكس فهمًا استراتيجيًا لمفهوم “حروب الوعي” وصناعة التأثير في العصر الرقمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى