قرأت استطلاعًا صحفيًا عن تراجع الصحافة الورقية، ولفت نظري أن الاستطلاع لم يناقش الأزمة فقط، بل كشف جزءًا منها دون أن يقصد.
ما زال بعض النقاش حول الصحافة ينطلق من مقارنة واقعها اليوم بما كانت عليه قبل عشرين عامًا. تغير العالم خلال هذه السنوات، واتسع الفضاء الإعلامي، وأصبح الخبر يصل إلى الناس في هواتفهم عبر عشرات المصادر والمنصات. لم يعد القارئ ينتظر الصحيفة ليعرف ماذا حدث.
المتابع يجد أن القارئ لم يهجر الخبر، ولكن الخبر هو الذي خرج من مبنى الصحيفة.
لهذا فإن مقارنة توزيع الصحف اليوم بما كانت تحققه في زمن الورق لا تكفي لتشخيص المشكلة. الناس لم يتوقفوا عن متابعة الأخبار والمعلومات، بل تغيرت طريقة استهلاكهم لها وتعددت مصادرها.
المفارقة أن بعض المؤسسات الصحفية القديمة كانت أمام هذا التحول منذ بدايات الصحافة الإلكترونية في المملكة. انشغل بعض العاملين فيها بمراقبة التجربة الجديدة والتقليل منها، ودار نقاش طويل حول مهنيتها ومستقبلها. كان الأجدى أن يذهب ذلك الجهد إلى تطوير المؤسسات نفسها، وتأهيل العاملين فيها، وتجديد المحتوى، وفهم الجمهور، والاستثمار المبكر في أدوات النشر الرقمي.
لو حدث ذلك لما وجدت بعض هذه المؤسسات نفسها اليوم تبحث عن حلول لمشكلة بدأت ملامحها قبل سنوات طويلة.
وتوقفت في الاستطلاع أمام طرح حلول من نوع زيادة التحقيقات والحوارات وتنويع المحتوى. هذه من أساسيات العمل الصحفي، وليست اكتشافات جديدة يمكن أن تُبنى عليها استراتيجية لتطوير مؤسسة صحفية في عام 2026.
وهنا كشف الاستطلاع المشكلة من الداخل.
عندما تنشر مؤسسة صحفية استطلاعًا يبدو بعض المشاركين فيه وكأنهم يشرحون لها أصول العمل الصحفي، فإن القضية تصبح أكبر من تراجع الورق، وتجعلنا نتساءل: أين المراجعة التحريرية؟ وأين الكفاءات التي تقرأ المادة قبل نشرها وتحدد قيمتها وما الذي تضيفه؟
التحول الرقمي ليس إنشاء موقع إلكتروني أو حسابات في منصات التواصل، وليس إضافة الفيديو والبودكاست والذكاء الاصطناعي إلى قائمة الأدوات. التحول يبدأ من العقل الذي يدير المؤسسة ويفهم تغير الجمهور والسوق وصناعة المحتوى.
بعض المؤسسات نقلت محتواها من الورق إلى الشاشة، لكنها لم تطور طريقة التفكير بالسرعة نفسها. هنا تكمن المشكلة. فالمؤسسة الصحفية اليوم لا تنافس صحيفة أخرى فقط، بل تنافس كل مصدر يستطيع الوصول إلى شاشة الهاتف.
وعندما ينتهي استطلاع عن مستقبل الصحافة إلى إعادة طرح بعض أساسيات العمل الصحفي، فإن ذلك يدعونا إلى سؤال أعمق عن المراجعة التحريرية ودور الكفاءات في تطوير المؤسسات.
هذا الطرح لا يستهدف مؤسسة أو شخصًا، بقدر ما يناقش قضية تستحق أن نتوقف أمامها جميعًا. فالتشخيص الخاطئ لأزمة المؤسسات الصحفية لا يحل المشكلة، بل يزيدها تعقيدًا. والبداية الحقيقية هي معرفة مكامن القصور والاعتراف بها، ثم تطوير الكفاءات والمحتوى والأدوات بما يتناسب مع واقع إعلامي تغير كثيرًا.
فالصحافة لا تحتاج إلى استعادة زمن مضى. بقدر ما تحتاج إلى فهم الزمن الذي تعيش فيه.

