كتاب الرأي

إجازتي في نومي..

في حياتنا أصدقاء وجودهم بحد ذاته حياة، يشعرك قربهم بالمحبة، ويصنع صدقهم حولك مساحة من السعادة، ومن هؤلاء معالي الفريق أسعد عبدالكريم الفريح، الذي أكرمني أكثر من مرة بدعوة للقاء واحتساء فنجان قهوة.

وبيني وبينكم، كلما هممت بتلبية الدعوة قرأت له مقالًا عن وضع الاتحاد فتراجعت؛ أخشى أن يحط حرّه فيني، وأنا مالي ومال الاتحاد ومشاكله! 

والحقيقة أنني المقصر.

دعا معاليه أكثر من مرة، وفي كل مرة أؤجل الزيارة. ليست جدة بعيدة عن مكة، ولا يحتاج الوصول إليها إلى تأشيرة أو حجز طيران، لكن المشكلة في رجل آخر لا علاقة لمعالي الفريق به، شغلني وشغل العالم العربي والإسلامي كله، وأصبح مصدرًا للأخبار والقلق والأرق.

إنه «شيطان العرب»!

هذا الرجل أتعبنا في متابعته. الأخبار تقول شوهد في ليبيا، ومصادر أخرى تضعه في السودان، وثالثة تتحدث عن القبض عليه في اليمن، وما إن تضع رأسك على الوسادة مطمئنًا إلى أنه استقر في مكان، حتى تستيقظ فتجده «مرق» إلى دولة أخرى!

وأنا رجل ابتلي بمهنة لا تعرف النوم.

منذ أن أنشأت صحيفة مكة قبل خمسة عشر عامًا، لا أعرف الإجازة السنوية بمفهومها المتعارف عليه. لم أحمل حقيبتي يومًا وأقول: انتهى العمل وبدأت الإجازة.

سافرت داخل المملكة وخارجها، تغيرت المدن والفنادق والمطارات، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: العمل يسافر معي.

أكتب، وأحرر، وأتابع، وأنشر، وأتواصل مع الزملاء والمصادر، وأراقب ما يجري حولنا. قد أجلس أمام البحر، لكن عيني على شاشة الهاتف، وقد أكون في مقهى جميل بينما عقلي في غرفة الأخبار.

الناس في سفرهم يتنقلون بين الحدائق، وأنا أتنقل بين حدائق حروف الكيبورد.

هم يسألون: أين نتعشى الليلة؟

وأنا أسأل: ماذا حدث؟

هم يتابعون حالة الطقس، وأنا أتابع «شيطان العرب» لأعرف في أي دولة أصبح!

ولهذا تصلني دعوات كثيرة من أصدقاء وزملاء للمسامرة والترفيه، وأعتذر عن بعضها وأؤجل بعضها الآخر. ليس زهدًا في صحبتهم، فالوقت معهم جميل، لكنني أصبحت أنظر إلى الوقت بطريقة مختلفة. الساعة عندي ليست ستين دقيقة، بل خبر يمكن أن يُنشر، ومقال يمكن أن يُكتب، وفكرة يمكن أن تولد، ومصدرًا ربما يتصل في اللحظة التي قررت فيها أن أغلق الهاتف.

حتى النوم أصبح مشروعًا مؤجلًا.

وجاء هذا الصيف ليضع معالي الفريق أسعد عبدالكريم الفريح أمامي اختبارًا جديدًا.

وصلتني منه رسالة رقيقة يدعوني فيها إلى السفر وزيارته في أحد المصايف، وختمها بعبارة أعرف أن وراءها عتاب المحب:

«حاول كدا وجرب».

قلت في نفسي: سأحاول يا معالي الفريق.

والله سأحاول.

لكن ماذا أفعل بـ«شيطان العرب»؟!

بحثت عن عذر يليق بكرم الدعوة، فلم أجد أصدق من الحقيقة. كتبت له أنني منذ خمسة عشر عامًا لا أعرف الراحة ولا الاستجمام، ولا يوجد في قاموسي شيء اسمه إجازة بالمعنى الذي يعرفه الناس. حتى عندما أسافر لا أنفصل عن العمل ولا عن الأخبار ولا عن متابعة صاحبنا وتحركاته.

وأنا أكتب له، خرجت مني عبارة لم أرتب لها، ولم أبحث عنها في قاموس، ولم أسرقها من فيلسوف:

«إجازتي في نومي».

توقفت عندها.

وأعجبتني.

ربما لأنها اختصرت خمسة عشر عامًا في ثلاث كلمات.

نعم، إجازتي في نومي.

لا أحتاج منتجعًا على البحر بقدر حاجتي إلى ثماني ساعات لا يرن فيها الهاتف، ولا يصلني خلالها خبر عاجل، ولا أتذكر عنوانًا ناقصًا، ولا أستيقظ فجأة على فكرة مقال فأمد يدي إلى الهاتف قبل أن تهرب.

ثماني ساعات من النوم المتواصل بالنسبة لي قد تعادل رحلة سياحية كاملة.

الفندق خمس نجوم؟

أعطني وسادة ونومًا بلا أخبار، وأعطيه النجمة السادسة!

ومع ذلك، لا أكتب هذا شاكياً من العمل. فالصحيفة التي أخذت من وقتي أعطتني من السعادة أكثر، وحروف الكيبورد التي سرقت مني كثيرًا من الرحلات أخذتني إلى أماكن لا تصل إليها الطائرات.

وقد يكون هذا هو سر الحكاية.

بعض الناس يسافر ليبتعد عن عمله، وأنا أحمل عملي معي لأنني لا أعرف كيف أبتعد عنه.

يا معالي الفريق..

ما زالت دعوتك في رقبتي، وسألبيها بإذن الله.

لكن بعد القبض على «شيطان العرب»!

أما الإجازة؟

إجازتي في نومي.

عبدالله أحمد الزهراني

عبدالله أحمد الزهراني، رئيس تحرير صحيفة مكة الإلكترونية، حاصل على درجة الماجستير في الاتصال والإعلام الرقمي من جامعة الملك عبدالعزيز، ويُعد من أبرز كتّاب الرأي في الإعلام السعودي المعاصر. يجمع في أسلوبه بين التحليل السياسي العميق والطرح الساخر الواعي، حيث يقدّم مقالات تتناول قضايا الوعي الوطني، والتحولات الإعلامية، والصراعات الدولية، ضمن رؤية فكرية تعكس فهمًا استراتيجيًا لمفهوم “حروب الوعي” وصناعة التأثير في العصر الرقمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى