أتابع بألم ردة فعل بعض الطلاب والطالبات الذين لم يحالفهم الحظ في القبول الجامعي، لا سيما بعد ارتفاع نسب القبول في عدد من التخصصات، وألمس حالة التوهان وحجم الانكسار الذي قد يصاحب بعضهم وهم يرون زملاءهم يبدأون مرحلة جديدة كانوا يتمنون أن يكونوا جزءًا منها.
وهنا أوجه رسالة إلى كل أسرة: قفوا معهم.
هذه الأيام ليست وقتًا للتوبيخ أو المقارنة. لا تسألوا ابنكم: لماذا قُبل زميلك ولم تُقبل؟ ولا تجعلوا من نتيجة القدرات أو التحصيلي مادة للعتاب اليومي، ولا تشعروه بأنه خذل الأسرة أو أضاع مستقبله.
فالطالب في هذه المرحلة يقف أمام مفترق طرق، وربما تكون ردة فعل الأسرة هي التي تحدد الطريقة التي سيتعامل بها مع تعثره. كلمة ثقة قد تعيده إلى المحاولة، وكلمة قاسية قد تدفعه إلى الانسحاب.
وأخشى ما أخشاه أن يتبلد إحساس بعض أبنائنا بعد الصدمة، فينعزل في البيت ويفقد الرغبة في المحاولة، أو يبحث عن أي وظيفة لا تلبي طموحه ولا تناسب قدراته، ليس لأنه اختارها، وإنما هروبًا من أسئلة الأسرة ونظرات الزملاء والمجتمع، وهنا نخسر أكثر من مقعد جامعي.
نخسر شابًا كان يحمل حلمًا، وكان يحتاج فقط إلى فرصة أخرى ومن يقف إلى جواره.
قولوا له: لم تنتهِ فرصك. اجلس معنا ولنبحث عن الطريق المناسب. هل تعيد اختبار القدرات؟ هل تستطيع تحسين التحصيلي؟ هل نسجلك في برنامج تأهيلي مدفوع يساعدك على الاستعداد بصورة أفضل؟ هل هناك تخصص آخر يناسب قدراتك ولم تفكر فيه؟ ماذا تحب فعلًا؟ وأين يمكن أن تنجح؟
وأقول لأبنائي وبناتي الذين لم يحالفهم القبول: لا تنكسروا، واجعلوا من هذه المحطة انطلاقة جديدة للنجاح والاعتماد على النفس والاستقلال بالقرار ومراجعة قدراتكم ومهاراتكم.
إذا كانت أنظمة الاختبارات والقبول تتيح لكم إعادة اختبار القدرات أو التحصيلي، فعودوا إليهما باستعداد مختلف.
فالطالب الذي يعود إلى الاختبار بعد مغادرة مقاعد الثانوية قد لا يكون هو الطالب نفسه الذي اختبر قبل عام أو عامين. التجربة تصنع النضج، والهدف يصبح أوضح، والحرص أكبر. وقد تدخل الاختبار هذه المرة وأنت تعرف لماذا تريد الدرجة، وأي باب تريد أن تفتحه بها.
ولا تحصر مستقبلك في تخصص واحد. قد تكون سنة التعثر أهم من سنة القبول نفسها إذا استثمرتها في اكتشاف قدراتك ومهاراتك. وربما تقودك إلى تخصص لم تفكر فيه من قبل، ثم تجد نفسك فيه وتتفوق، وتكتشف بعد سنوات أن الطريق الذي ظننته مغلقًا قادك إلى المكان الأنسب لك.
وأختم بهذه القصة الجميلة التي يستشهد بها المعلمون مع طلابهم، عن أحد العلماء الذي تعثر في بداية طلبه للعلم وكاد أن يتوقف، فرأى نملة تحاول الصعود على جدار وهي تحمل شيئًا معها، فتسقط ثم تعود، وتسقط ثم تعود، حتى وصلت. فقال لنفسه: لماذا لا أفعل مثلها؟ فعاد إلى العلم، وكرر المحاولة حتى أصبح من العلماء.
لا يهمني هنا اسم العالم بقدر ما تعنيني رسالة النملة التي ينبغي أن تصل إلى كل طالب وطالبة لم يحمل لهما الفرز النهائي في منصة «قبول» ما كانا ينتظرانه:
لا تجعلوا عدم القبول نهاية الحلم. عودوا، وحاولوا، واكتشفوا قدراتكم من جديد.
فالنملة لم تصل لأنها لم تسقط، بل لأنها كلما سقطت عادت.

