تحل الذكرى الثانية عشرة لبيعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله، وهي ليست مناسبة بروتوكولية ولا احتفالاً عابراً، بل محطة وطنية كبرى نستعيد فيها مسيرة اثني عشر عاماً أعادت صياغة حاضر المملكة ورسخت أسس مستقبلها. ففي هذا العهد، لم يكن التحول خياراً، بل مشروع دولة كاملة تعيد بناء اقتصادها ومؤسساتها ومجتمعها وفق رؤية واضحة وإرادة سياسية صلبة، جعلت المملكة نموذجاً عالمياً في إدارة التحول الوطني الشامل.
مشروع دولة لا إنجازات متفرقة
منذ تولي الملك سلمان مقاليد الحكم عام 2014، دخلت المملكة مرحلة جديدة عنوانها التنمية الشاملة والاقتصاد المتنوع والدولة الحديثة القادرة على المنافسة والتأثير. لم يكن ما تحقق خلال هذه السنوات سلسلة مشروعات متفرقة، بل مشروعاً وطنياً متكاملاً أعاد تعريف مفهوم التنمية بوصفها عملية شاملة تمس الاقتصاد والمجتمع والتعليم والصحة والبنية التحتية وجودة الحياة.
هذا التحول لم يكن مجرد استجابة للتحديات، بل كان فعلاً استباقياً يعيد صياغة موقع المملكة في العالم، ويمنحها قدرة أكبر على التأثير في محيطها الإقليمي والدولي، مستندة إلى قيادة تمتلك رؤية واضحة وإرادة تنفيذية لا تتردد في اتخاذ القرار.
رؤية السعودية 2030… من وثيقة إلى واقع
أطلق الملك سلمان رؤية السعودية 2030 بتوجيهاته الحكيمة، وقاد تنفيذها سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز حفظه الله، لتتحول الرؤية خلال سنوات قليلة من وثيقة طموحة إلى واقع ملموس. وفي عام 2026 دخلت الرؤية مرحلتها الثالثة (2026–2030)، بعد أن تحولت كثير من مستهدفاتها إلى منجزات يلمسها المواطن ويشهد بها العالم.
لقد أعادت الرؤية تشكيل بنية الاقتصاد الوطني، ووسعت قاعدة الإنتاج، ورفعت كفاءة الإنفاق، وأطلقت مشروعات استراتيجية كبرى، وفتحت آفاقاً جديدة أمام الاستثمار المحلي والدولي، ورسخت مفهوم الدولة الحديثة القادرة على المنافسة في عالم سريع التحول.
اقتصاد يتنوع وينمو
كان تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط في مقدمة التحولات الكبرى. فقد نما الاقتصاد السعودي الحقيقي في عام 2025 بنحو 4.5–4.6%، وبلغ الناتج المحلي بالأسعار الجارية قرابة 4.789 تريليونات ريال، فيما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً بنسبة 4.9%. وتجاوزت الصادرات غير النفطية من السلع والخدمات 623 مليار ريال، وارتفع عدد المصانع إلى أكثر من 12.9 ألف مصنع باستثمارات تقترب من 1.2 تريليون ريال.
كما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص إلى نحو 51% من الناتج المحلي الحقيقي، وتجاوز عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة 1.7 مليون منشأة، بما يعكس اتساع القاعدة الإنتاجية وتعاظم دور القطاع الخاص في التنمية والتوظيف. هذه الأرقام ليست مؤشرات اقتصادية فحسب، بل تعبير عن اقتصاد يتوسع في عمقه، ويتنوع في مصادره، ويمنح المواطن فرصاً أكبر للعمل والإنتاج.
الإنسان أولاً… التعليم في قلب التحول
ولأن الإنسان هو أساس التنمية وغايتها، حظي التعليم في عهد الملك سلمان باهتمام استثنائي. فلم يعد دوره مقتصراً على نقل المعرفة، بل أصبح منظومة متكاملة لبناء القدرات وتنمية المهارات وتعزيز الابتكار وإعداد جيل قادر على قيادة الاقتصاد الجديد.
شهد التعليم توسعاً في التحول الرقمي وتطويراً للمناهج وأساليب التدريس وتعزيزاً لتعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، إلى جانب الاهتمام بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والمهارات الرقمية. كما اتسعت مسارات التعليم والتدريب التقني والمهني، وتطورت برامج الابتعاث الداخلي والخارجي لتتوافق بصورة أكبر مع احتياجات التنمية وسوق العمل.
وفي التعليم الجامعي، تعززت ثقافة الجودة والاعتماد الأكاديمي، وتقدمت جامعات سعودية في التصنيفات الدولية، وتوسع الاهتمام بالبحث العلمي وريادة الأعمال والابتكار، وبالشراكات بين الجامعات والقطاعين العام والخاص. كما أسهم نمو الجامعات الأهلية في تنويع الفرص التعليمية ورفع مستوى التنافس بالجودة، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويهيئ الخريجين لوظائف المستقبل.
صحة أفضل… وحياة أجود
تظهر ثمار التنمية بوضوح في حياة المواطن. فقد انخفض معدل البطالة بين السعوديين إلى 7.2% بنهاية عام 2025، ثم إلى 6.4% في الربع الأول 2026، وارتفعت مشاركة المرأة في سوق العمل إلى نحو 36.3% في 2025 واستقرت حول 34–35% في 2026 بعد أن كانت 22.8% عام 2016.
وفي قطاع الإسكان، ارتفعت نسبة تملك الأسر السعودية لمساكنها إلى 66.24% عام 2025، متجاوزة المستهدف المرحلي البالغ 65%، ومقتربة من مستهدف عام 2030 البالغ 70%.
وفي القطاع الصحي، اتسع نطاق الخدمات ليغطي نحو 97.5% من التجمعات السكانية، وارتفع متوسط العمر المتوقع إلى 79.7 عاماً، مقترباً من مستهدف الرؤية البالغ 80 عاماً. كما ارتفعت نسبة البالغين الممارسين للنشاط الرياضي إلى 59.1%، في انعكاس واضح للتحول في مفهوم الصحة الوقائية وجودة الحياة.
سياحة وثقافة وترفيه… المملكة وجهة العالم
أصبحت المملكة وجهة عالمية تستقبل الملايين من مختلف دول العالم؛ إذ تجاوز عدد الزوار 123 مليوناً في عام 2025، وبلغ الإنفاق السياحي أكثر من 300 مليار ريال، وارتفع الطموح الوطني إلى استقطاب 150 مليون زائر بحلول عام 2030.
وتزامن ذلك مع مشروعات نوعية كبرى في الدرعية والقدية ونيوم والبحر الأحمر والمسار الرياضي ومشروعات تطوير مكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض وجدة، إلى جانب التوسع في المطارات والسكك الحديدية والمراكز اللوجستية. هذه المشروعات لم تعد مجرد مخططات، بل أصبحت واقعاً يعيد تشكيل المدن السعودية ويمنحها طابعاً عالمياً في التصميم والبنية التحتية والخدمات.
خدمة الحرمين.. شرف ومسؤولية
يظل شرف خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما في مقدمة أولويات الدولة. فقد امتد التطوير إلى رحلة الحاج والمعتمر كاملة، من التأشيرات والخدمات الرقمية إلى النقل والإسكان والرعاية الصحية والتنظيم والأمن، بما يليق بقدسية المكان وعظمة المسؤولية. هذا التطوير يعكس رؤية الدولة في جعل خدمة الحرمين نموذجاً عالمياً في التنظيم والإدارة وجودة الخدمات.
مكانة دولية تتعاظم
عززت المملكة مكانتها السياسية والاقتصادية عالمياً، وأصبحت وجهة للشركات والاستثمارات الدولية، ومركزاً للمؤتمرات والفعاليات الكبرى، وصوتاً مؤثراً في قضايا الاقتصاد والطاقة والسلام والتنمية. وقد تجلى ذلك في مشاركات نوعية في محافل مثل مجموعة العشرين، وفي المبادرات الدولية المتعلقة بالطاقة والاستدامة والاستثمار.
البيعة الثانية عشرة… احتفال بالتحول لا بالسنوات
في البيعة الثانية عشرة، لا نحتفل بعدد السنوات، بل بحجم التحول الذي تحقق خلالها: اقتصاد يتنوع، وتعليم يتطور، وإنسان يتمكن، ومدن تتجدد، ودولة رقمية تنافس العالم، ومكانة دولية تتعاظم.
وإذا كان الملك سلمان حفظه الله قد أحاط هذا التحول بحكمته وخبرته ورؤيته، فإن سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يقود مسيرة التنفيذ بعزيمة وطن وطموح جيل يؤمن بأن المستقبل يصنع ولا ينتظر.
ختاماً..
اللهم وفّق وليَّ أمرنا ووليَّ عهده لكل خير، وبارك في أوقاتهم ولحظاتهم، وزِدهم قوّةً إلى قوّتهم، واجعل أعمالهم كلّها فيما يرضيك، وأعِنهم ولا تُعِن عليهم، ومكِّن لهم في البلاد، وارزقهم البطانة الصالحة التي تدلّهم على الخير وتعينهم عليه، وادفع بهم العاديات، وردّ عنهم كيد الكائدين ومكر الماكرين، واجعلهم عزًّا للإسلام والمسلمين، واحفظهم بحفظك وعنايتك التي لا تغيب.

