في زمنٍ أصبحت فيه المعلومة تصل إلى ملايين الناس في ثوانٍ معدودة، لم يعد إنتشار الخبر مرتبطاً بصحته بقدر ما أصبح مرتبطاً بسرعة تداوله وقدرته على جذب الإنتباه… وبينما أتاحت التقنية الحديثة للإنسان وسائل غير مسبوقة للتواصل والمعرفة، فتحت في الوقت ذاته أبواباً واسعة أمام الشائعات والمعلومات المضللة، التي قد تبدأ برسالة عابرة، أو صورة مجهولة المصدر، أو مقطع فيديو مجتزأ، ثم تتحول خلال دقائق إلى حديث مجتمع كامل…..
ولعل أخطر ما يميز الشائعة في عصرنا الحالي أنها لم تعد مجرد كلمات يتناقلها الناس؛ فقد أصبحت أكثر تعقيداً، إذ يمكن أن تُدعَم بصورة تبدو حقيقية، أو مقطع فيديو جرى التلاعب به، أو تسجيل صوتي مصطنع، أو محتوى تم إنتاجه بتقنيات الذكاء الاصطناعي….
وهنا تكمن الخطورة… لم يعد كل ما نراه بأعيننا دليلاً على الحقيقة، ولا كل ما نسمعه بآذاننا حقيقةً ..
الشائعة.. كلمة صغيرة وأثر كبير….
الشائعة هي معلومة غير مؤكدة تنتقل بين الناس دون التحقق من صحتها، وقد تتضمن جزءاً من الحقيقة، أو تكون مبنية على فهم خاطئ، أو تكون مختلقة بالكامل وعلى الرغم من بساطة مفهومها، فإن آثارها قد تكون عميقة، خصوصاً عندما تمس قضايا المجتمع، أو الإقتصاد، أو الأمن، أو سمعة الأفراد والمؤسسات وقد تتسبب شائعة واحدة في إثارة الخوف والقلق، أو تشويه سمعة شخص، أو الإضرار بمنشأة، أو التأثير في قرارات الناس وسلوكهم. والأسوأ أن تصحيح الشائعة غالباً لا ينتشر بالسرعة نفسها التي انتشرت بها؛ فالمعلومة المثيرة قد تترك أثراً في الذاكرة، حتى بعد ظهور الحقيقة….
عندما تتحول التقنية إلى أداة لصناعة الوهم….
لم يعد التلاعب بالمحتوى أمراً معقداً كما كان في السابق. فقد أصبح بإمكان المستخدم تعديل الصور، وقص مقاطع الفيديو، وتركيب الأصوات، وإخراج المحتوى في صورة تبدو إحترافية ومقنعة ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، ظهرت إمكانات أكثر تقدماً، مثل إنشاء صور لأشخاص في أحداث لم يشاركوا فيها، أو تقليد أصواتهم، أو إنتاج مقاطع فيديو تبدو للوهلة الأولى حقيقية وهذا التطور التقني يفرض على المجتمع مستوى أعلى من الوعي؛ لأن العين لم تعد كافية للحكم على صدق الصورة، والأذن لم تعد كافية للحكم على صحة الصوت…….
مسؤولية كبيرة تبدأ من زر … الإرسال
في مواجهة الشائعات، لا تقع المسؤولية على وسائل الإعلام والمؤسسات الرسمية وحدها، بل تبدأ من كل فرد يحمل هاتفاً ذكياً ويستطيع نشر محتوى إلى عشرات أو مئات الأشخاص بضغطة واحدة وقبل إعادة إرسال أي خبر، ينبغي التوقف لحظات وطرح أسئلة بسيطة:
من مصدر هذه المعلومة…….؟
هل المصدر معروف وموثوق……؟
متى نُشرت………؟
هل تتحدث عن حدث جديد أم عن واقعة قديمة أُعيد تداولها………؟
هل توجد مصادر أخرى موثوقة تؤكدها……..؟
هل الصورة أو الفيديو مرتبطان فعلاً بالحدث المذكور……؟
وقد يكون السؤال الأهم :
ما الضرر الذي قد يحدث إذا كانت هذه المعلومة غير صحيحة…؟
فإذا كان إحتمال الضرر كبيراً، فإن التريث يصبح واجباً أخلاقياً قبل أن يكون مجرد خيار……..
الإعلام المهني.. خط الدفاع الأول
في خضم هذا التدفق الهائل للمعلومات، تزداد أهمية الإعلام المهني الذي يتحرى الدقة، ويتثبت من مصادره، ويفصل بين الخبر والرأي، ويصحح الأخطاء عند وقوعها كما أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بسرعة التواصل مع المجتمع عند ظهور معلومات مغلوطة تتعلق بالقضايا العامة؛ لأن غياب المعلومة الموثوقة قد يترك مساحة واسعة للتكهنات والتفسيرات والشائعات……
لكن حتى أفضل المؤسسات الإعلامية والرسمية لا تستطيع وحدها مواجهة سيل المحتوى المتداول؛ فالمواجهة الحقيقية تحتاج إلى شراكة بين الإعلام والمؤسسات والأفراد……….
ثقافة تحقق قبل أن تشارك…….
ربما نحتاج اليوم إلى تحويل عبارة «تحقق قبل أن تشارك» من نصيحة عابرة إلى ثقافة مجتمعية راسخة
فالإنسان الذي يتحقق من الخبر قبل نشره لا يحمي نفسه فقط، بل يحمي أسرته وأصدقاءه ومجتمعه من آثار معلومة قد تكون كاذبة. وقد تكون ثوانٍ قليلة من التريث كافية لمنع آلاف الأشخاص من الوقوع في التضليل.
الحقيقة مسؤولية جماعية……..
الشائعة لا تنتشر وحدها؛ إنها تحتاج إلى من يصدقها، ومن يعيد إرسالها، ومن يضيف إليها، ومن يمنحها المصداقية دون دليل. ولذلك فإن كل فرد في المجتمع يملك جزءاً من الحل قد لا نستطيع منع ظهور كل شائعة، لكننا نستطيع أن نمنحها أقل قدر ممكن من الإنتشار..
وفي النهاية، ليست قوة المجتمع في كمية المعلومات التي يتداولها، بل في قدرته على تمييز الصحيح من الزائف، والتثبت قبل الحكم، والتريث قبل النشر.. وفي عالم يمكن فيه صناعة صورة لم تحدث، وصوت لم يُقل، وفيديو لم يقع، تبقى الحقيقة بحاجة إلى شيء لا تستطيع أي تقنية أن تمنحنا إياه إنه ” الوعي “
**أستاذ جامعي لتقنيات الإتصال والصحافة الرقمية
