المقالات

هندسة المنهج لمواكبة الثورة الصناعية الرابعة

نعيشُ اليومَ بداياتِ ثورةٍ صناعيَّةٍ رابِعةِ، انطلقتْ مع بدايات هذا القرن، وعمادُها الثورةُ الرَّقْميَّة، ومما يميز هذه الثورةَ الرقمية: انتشارُ شبكة الإنترنت في كل مكان، وظهور ما يسمَّى الذكاء الاصطناعي، بالإضافة للتعلم الآلي الذي فرض نفسه في الفترة الأخيرة، ويتسع نطاق تلك الثورة ليشمل العديد من الإنجازات الهائلة التي تحدث في عدة مجالات؛ كتقنية النانو والموارد المتجددة، والحوسبة الكمية، مما يجعلها مختلفة تمامًا عن سابقاتها.
فاتسم عصرُنا بالاستخدام الكثيف للتكنولوجيا في عمليات التصنيع، وتفعيل انترنت الأشياء والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والروبوت؛ للتحول إلى ما يُسَمَّى المصنع الذكي.
وتكمُن أهمية الثورة الصناعية الرابعة للأمم والمجتمعات في أنها ستمثل عصب الاقتصاد في المستقبل، فلابد من اعتماد استراتيجية للدخول إلى تلك الثورة، والتوجه نحوَ الابتكار التكنولوجي بفاعلية، وهذا ما يتطلب مهارات جديدة، ومناهج دراسية متطورة، وثقافة تعليمية مختلفة.
لقد أصبحت المؤسسات التعليمية بحاجة إلى توظيف تقنيات الثورة الصناعية الرابعة بما يخدم العملية التعليمية، ولابد من تضمين المناهج الدراسية لمهارات القرن الحادي والعشرين، بهدف تحسين بيئة التعلم، وتطوير أنظمتها، إضافة لكل ما يساعد على تطبيق ثقافة الابتكار والتغيير والتطوير في تلك المؤسسات؛ من أجل إعداد جيل قادر على مسايرة التطورات في شتى المجالات.
وبذلك يقع العبء الأكبر على المؤسسات التعليمية في السعي قدمًا نحو تطوير مناهجها وهندستها بهدف إكساب الطلاب وتدريبهم على المهارات التكنولوجية والإبداعية التي تتطلبها مقتضيات الثورة الصناعية الرابعة.
وتقوم عملية هندسة المنهج على تخطيط المنهج وتنفيذه وتقويمه، كعمليات أساسية تتألف من عمليات متداخلة مع بعضها البعض، ولكنها تحدد الهيكل العام والخاص لكل مهمة ينبغي القيام بها من قِبَلِ مهندسي المناهج وخبرائها، كما أن هندسة المنهج تشير إلى المشكلات المتعلقة بتخطيط المنهج وتطويره أو تحسينه، مركزًا بذلك على إنتاج مناهج أو مواد في المناهج.
وقد ظهر مفهوم هندسة المنهج مع نشأة علم تطبيقي؛ نتيجة لالتقاء كل من علم الإدارة، وعلم المحتوى، فهو يهتم بدراسة النماذج التصميمية للمناهج الدراسية بغرض إخضاع الخبرات المطروحة للتعلم، فتعني الهندسة دقة وربطا، ولابد لها من تحقق التحكم والتوجيه، وإدارة للمنهج، كما تحتاج إلى أدوات ضبط، مما يساعد في السيطرة على الكثرة والتنوع، وبذلك قطع علم هندسة المنهج الطريقَ أمام التفكك والفوضى.
ومن وظائف هندسة المنهج : التخطيط ، وهي الوظيفة الأولى التي يقوم بها خبراء المنهج حيث يتم تغطية المنهج فيما يختص بالمحتوى الثقافي ، والتتابع داخل المواد ، وإذا وضع المنهج موضع التنفيذ فإنَّ وظيفة التخطيط تصبح وظيفة تطوير مستمرة ، ولكي نقوم بتخطيط المنهج يمكن الاستعانة بأحد نماذج تخطيط المنهج كنموذج “تايلور”، ثم تلي وظيفة التخطيط وظيفة تنفيذ المنهج وتطبيقه ، وهي مجموعة من العمليات التي تضمن بأنَّ المنهج حيز التنفيذ داخل النظام التعليمي ، وتكمن أهمية هذه الخطوة من كونها نقطة انطلاق نحو تطوير المعلمين لاستراتيجيات التدريس ، فالتزامه باستخدام المنهج لتطوير أدائه داخل الفصل الدراسي يُعَدُّ أمرًا جوهريًا لنجاح تنفيذ المنهج ؛ ولذلك فإن إشراك المعلم في التخطيط للمنهج يعدُّ أحد أهم العوامل للتغلب على عقبات التنفيذ.
والوظيفة الثالثة لهندسة المنهج: هي تقويمه، وتعني: التشخيص لنقاط القوة والضعف بقصد اقتراح الحلول؛ لتصحيح المسار، وبالتالي فإنَّ عملية تقويم المنهج هي عملية تقييم لمخرجات نظام المنهج، وتعديله بعد تنفيذه داخل نظام التعليم، ثم تقديم التغذية الراجِعة لمخططيه حيث يتم تقويم تنفيذ المعلم للمنهج، وتصميم المنهج، ونواتج التعلم لدى الطلاب، بالإضافة لتقويم نظام المنهج، ومن يقوم بهندسة المنهج.
ولدخول الثورة الصناعية الرابعة نحتاج للثورة في التعليم، وليس مجرد تطوير وتغيير، وذلك من خلال التخلي عن النمطية في التفكير أثناء التخطيط التعليمي، وبالنظر لاحتياجاتنا من التعليم وبالتالي لابد أنْ يشملَ التغيير كلا من: المناهج، وطرائق التدريس، والبيئة التعليمية، وتطوير أنظمته، ولتحقيق ذلك فإننا نحتاج – في المقام الأول – لرفع كفاءة المعلم.
وبذلك فإنَّ العملية التعليمية في ظل الثورة الصناعية الرابعة قد تتصف بالتركيز على أساليب التقويم المعتمدة على الأداء الحقيقي للطالب، والنشاطات التعليمية ذات النهايات المفتوحة والمرتبطة بمواقف الحياة الواقعية التي يواجهها الطلاب خارج القاعات الدراسية، بالإضافة لتحول المدرسة إلى بيئة حاضنة للتقنية قادرة على التعامل مع تقنيات الحاسب الآلي ومعطياته ولاعتماد التعلم الالكتروني لابد من حوسبة المناهج والكتب الدراسية.
وعند هندسة المناهج لابد أنْ نضع في الاعتبار ظهور توجهات جديدة في التعلم، منها: تعامل المتعلمين مع مجموعة متنوعة من المجالات المعرفية، والنظر إلى التعلم باعتباره عملية مستمرة مدى الحياة، بالإضافة إلى ضرورة دعم وتنمية العديد من عمليات المعالجة المعرفية للمعلومات بواسطة التكنولوجيا المتقدمة؛ ليتمكن الطالب من المشاركة في تنمية مجتمعه بشكل فعال.

——————

مشرفة تربوية بإدارة تعليم جدة
وباحثة دكتوراه في الإدارة التربوية والتخطيط بجامعة أم القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى