جدارية شاعر

الوفاء لايدوم مع الجرح

تتقلب أحوالنا مع من نحب أو نكره فهذه سنة الحياة فيتبدل فيها الحب الى الكراهية والكراهية الى الحب والصفاء الى الكدر والكدر الى الصفاء وهكذا. وبعض العقلاء منا له إتجاه آخر فيجعلها ثابتة لا تنقص بل قد تزيد مع الوقت ولكن مع القلائل وخاصة من الدائرة المقربة لنفسه وفكره وثقافته. وهنا قد يكون المتسبب في فض العلاقة الطيبة التي تأسست في بدايتها على خير ومحبة ومودة هو الشخص نفسه؛ لتغير في المشاعر والأحاسيس تجاه الآخر .فمع ازدحام سير الأيام وضغوط الوقت يتبدل موقف الشخص مع من أحب، أو بسبب خيالات زائفة لا تمت للواقع بصلة، إضافة إلى قناعات جديدة أثرت على هذه العلاقة بين الأشخاص أنفسهم منها مايكون خُلقي أو نفسي أو حتى مادي وعلى أي حال لا غرابة أبداً في دنيا بُنيت على كدر والحمد لله، ومن الممكن أن تكون بسبب طرف ثالث قريب أو غريب لايرغب أن تدوم العلاقة بين اثنين؛ لحماقات سوداء كسواد الليل تنشأ في عقله فجأة وتذهب أيضاً فجأة بلا أي مبرر يذكر !

وإشكالية بعض الأشخاص منا وكلنا ذلك الرجل في الأغلب أننا حينما نرى المشكلة الواقعة علينا نراها من زاوية محدودة وبعين واحدة ونغفل العين الأخرى تماماً. بمعنى أننا نرى مساوئ الطرف الآخر ونعددها وقد نزيد عليها من عيوب مشينة، ونتذكر بعض المواقف غير الموفقة، إضافة إلى ما قدمناه من عطاءات طبيعية تحصل بين المتحابين في لحظة صفاء ونقاء فنجعلها منة وتفضل، هذا غير الصورة السوداوية التي نصنعها عبر أفقنا الضيق. وتضيف النفس عليها بطبيعة الحال الكثير والكثير من المغالطات. ونمضي حيث يمضي الوقت ولا نشعر باتساع الهوة يوماً بعد يوم حتى يحدث للأسف مالا يحمد عقباه من الجفاء والفراق وتمتلئ الصدور بالكراهية والبغضاء والشحناء وحينها لا ينفع أي ندم أو حتى عتب ومن الصعوبة العودة إلى النقطة الأولى.. حين كانت المحبة الكبيرة والاحترام المتبادل إلا في حال حدوث ما يشبه المعجزة والمعجزة فقط.

إن من يريد محاسبة الناس وتصنيفهم يجب عليه من باب الإنصاف أن يعيد حسابات كل التفاصيل الماضية وخاصة في البدايات الأولى في أوقات الشدة والوحدة وفي لحظات تخلى الكثير عن الوقوف بجانب الحقيقة ومن ثم يضع ميزان العدالة نصب عينيه؛ ليرى من خلال ضميره وبكل أمانة كم له وكم عليه؟ كم قدم الآخرون له وبصدق من تضحيات ووقفات نالت منهم عظيم أوقاتهم وصادق مجهوداتهم هذا غير اتهامهم بغير وجه حق من الطرف الآخر، وكيف تألموا من ألمه قبل أن يسعدوا لسعادته؟ كيف عانوا بسبب معاناته قبل أن يفرحوا لفرحه؟ وكم.. وكم.. وكم لا تكفيها هذه السطور المعدودة. من أراد الحق فعلاً فليعد كشف حساب دقيق يبدأ منذ أول الوقت حتى آخره، ومن أول لحظة حتى نهايتها، ومن أول حرف كُتب حتى آخر حركة سكون شكلت في آخر سطر الوفاء؛ ولتحكم الناس على ما تسمع وترى وتتكلم فالناس شهود الله في أرضه ولا عزاء للمرجفين، ولن يدوم الوفاء مع الجرح المؤلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: