الثقافيةتحقيقات وتقارير

“من فات قديمه تاه”.. التراث اللامادي يكشف أصالة الشخصية المصرية

محمد بربر - خاص- مكة

أن تكتب عن التراث المصري أمر ممتع فالشخصية هنا وحدها التقاء ثقافي فريد تجدها حاضرة بقوة في الحواري والشوارع والأغاني والعادات والتقاليد وحتى المهن والأمثال الشعبية، فنون تراثية شكلت الكثير من الوعي وصناعات يدوية تواجه مصير الاندثار، لكن “من فات قديمه تاه”.
ذاكرة لا يجب أن تصبح منسية وإن باتت مهملة في الآونة الأخيرة رغم الجهود المبذولة لإنقاذ التراث اللامادي على المستويين الإقليمي والدولي، تراث مصري فريد في كل البقاع يجسد الكثير من المعاني التي برزت في الشخصية المصرية وأصبحت ثروة إنسانية حقيقية، وهو ما دعا كثيرون إلى الدعوة لتأريخ هذا التراث وتوثيقه ودعمه عن طريق مشروعات تنموية للحفاظ على الهوية المصرية.

جذور وتاريخ قديم وعمق حضاري

الدكتور خالد أبو الليل، الباحث في التراث اللامادي يؤكد على ضرورة الحفاظ على التنوع الثقافي الذي تحظى به مصر في ظل مجتمعات صناعية وزراعية لها تاريخ قديم وجذور متأصلة فضلا عن عادات وتقاليد وحكايات شعبية لها مكانتها بين المواطنين، مشيرًا إلى أن التراث الثقافي غير المادي يعد عاملا مؤثرًا لمواجهة تسلط العولمة والحفاظ على قوام المجتمعات وتشجيع الاحترام المتبادل باحترام خصوصية المجتمعات والحوار بين الثقافات.
وبيّن أن هذا التراث أصبح إلى حد كبير مهملا ما دعا منظمة اليونسكو إلى الاهتمام به في كثير من الدول ووضعت له تعريفًا واضحًا تضمن الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية تعتبرها الجماعات والمجموعات، وأحياناً الأفراد، جزء من تراثهم الثقافي بما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة وتاريخها، والتراث غير المادي ينمي لديها الإحساس بهويتها، والشعور باستمراريتها، ويعزز من احترام التنوع الثقافي والقدرة الإبداعية البشرية.

موروث الأجداد.. عبقرية المجتمعات المحلية

واعتبر الباحث أن هذه المقومات التي نص عليها تعريف اليونسكو تفرز تفرد وعبقرية كل شخصية في المجتمعات المحلية مدللا على ذلك بما ترمز إليه حكايات أبو زيد الهلالي أو لعبة التحطيب أو أغاني النوبة وعادات الصعيد ومهن مثل الحكواتي عند الكثير من المصريين، لافتًا إلى أن حتى المفاهيم التي لها علاقة بالأساطير والخرافات وقصص البطولات والحكايات الشعبية والقصائد الزجلية تأتي ضمن الفولكلور الشعبي فضلا عن حرف تلك المجتمعات، مضيفًا أن هذا الإبداع ينتقل عبر الأجيال ويُعرف على مستوى العالم لأنه موروث وربما يرمز للتقارب بين الثقافات والتواصل مع الجذور.
الدكتور صفوت سالم أمين اللجنة الوطنية لليونسكو، أكد أنه جرى تنفيذ مشروع التراث المتوسطى الحى “ميدلهير” الذى تشارك فيه كل من مصر والاردن ولبنان ويشرف عليه الاتحاد الاوروبى وادارة التراث اللامادى باليونسكو، من خلال ثلاث مراحل بهدف الحفاظ على التراث الشعبي المصري الذى تتوارثه الأجيال لقرون، مشددًا على أن اللجنة نجحت في حصر وتسجيل الكثير من المقومات المتعلقة بالتراث اللا مادي في محافظات عدة خلال الفترة الأخيرة وهي معنية بتسجيل ذلك.
واختارت اللجنة محافظة دمياط لتبدأ برنامجها حيث دمياط وهى نافذة مصر الاولى على ساحل البحر الابيض المتوسط وبها الموقع المتميز رأس البر الذى يوجد فى نقطة التقاء البحر المتوسط بنهر النيل وما تزخر به من مجتمعات ريفية وحضرية وريفية وبدوية وهذا التنوع الحضارى يجعلها مادة غنية بتراثها المادى واللامادى مما يشجع على رصد تراثها والاهتمام به كحلقة فى سلسلة للتنمية المستدامة لهذا الوطن.

الحفاظ على تراث نهر النيل.. مشروع لليونسكو

سمير الفيل، الذي شارك في المشروع كباحث وجامع للتراث اللامادي، وحاز في العام الماضي على جائزة الدولة التشجيعية أبدى إعجابه بما جرى إنجازه في إقليم الدلتا وخصوصًا دمياط، وقال “المنظمة سبق أن اعتمدت الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافى اللامادى ووقعت عليها مصر في العام 2005″، مضيفًا أنه جرى تجديد عدد من التصنيفات قبل البدء في جمع التراث تمثلت في المهارات المرتبطة بالفنون الحرفية والتقليدية والممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات والأدب الشعبي، مبينًا أن المشروع جرى اختياره في هذا الإقليم للحفاظ على التراث اللامادي ممثلا في نهر النيل.
وبيّن الفيل أن من أبرز النماذج التي جرى جمعها ضمن المشروع “الأويما” وهي من الحرف الأساسية المنتشرة في جميع شوارع وحارات وأزقة مدينة دمياط وفيها فن وابتكار وكل أويمجي يحاول تجويد وتطوير الصنعة من خلال التحريف والتجديد فهذا هو الشكل الأمثل لتقديم منتج جديد على السوق، كما أن عددا من الصناع عملوا في مدن وبلدان عربية منها سوريا ولبنان وتونس وقد نقلوا الحرفة هناك.
وإلى جانب ذلك جرى توثيق عنصر ينتمي للثقافة الشعبية وهي “شجرة المظلوم” ، وهي شجرة جميزة عتيقة، في منطقة تقع في الطريق الواصل بين مدينة دمياط وقرية المنية. وراء الظاهرة حكاية، تبدأ من عهد حكم العثمانيين لمصر، كان هناك صديقان اشتركا في تجارة، وجمع بينهما التفاهم، وقد حدث أن دب بينهما نزاع حول مكاسب التجارة، فما كان من أحدهما إلا ان طعن زميله طعنة أودت بحياته. مات على الفور. جاء القاضي وحكم على القاتل بالموت وسمى بالظالم. أما القتيل فقد أطلق عليه ” المظلوم”. بني ضريح في بداية الطريق، تبارك الناس به، كما بني ضريح للظلم، تعرض للجفاء والإهمال حين نبتت شجرة الجميز، كانت النسوة العواقر يأتين في غبش الصباح يدققن مسمارا في جذع شجرة الجميز، ويشبكن خصلة شعر حتى يتم نزع جزء من الخصلة.وقد يترك أثر دماء وبذلك وبعد فترة من الزمن تستجاب مطالبهن، كذلك كان من يصاب بمرض جلدي من الرجال او النساء يأتي بمدية ويشق جزءا من اللحاء وحين يسيل جزء من العصير الأبيض يتم دعك الجزء المصاب به مثل الحكة او الجرب أو البهاق وغيره.

فنون مختلفة وصناعات قديمة منسية

ماهر ويليام، مدرس فنون موسيقية لكنه يعشق التراث وشارك في المشروع جامعًا وباحثًا، يقول إن من إنتاجات ومنجزات جمع التراث اللا مادي في الإقليم التعرف على نموذج “التنجيب” ويتمثل في الإعلان عن الأفراح الأحزان الخاصة بالبدو حيث تقوم القبيلة أو العشيرة التى لديها الفرح برفع الرايات البيضاء على الخيام “الخيشة” للإعلان عن ميعاد الفرح وهذا الإعلان يسبق ميعاد العرس بثلاثة شهور، ثم ينطلق الأشخاص الموثوق بهم إلى الأماكن الموجه إليها الدعوات لحضور الفرح أو العرس بعد إعلان أهل المناطق الأخرى بميعاد الفرح، وكذلك فن التحطيب ونشأ في مصر القديمة، وتناقلته الأجيال عبر آلاف السنين، لذا يعد من الفنون اللامادية التي كان يهددها الاندثار، لولا أن أدركته منظمة اليونسكو أخيرا وسجلته على قائمتها للتراث العالمي.

تسجيل السيرة الهلالية والتحطيب ومحاولات لضم “الكشري”

وأطلعنا حلمي ياسين مخرج فيلم مشروع التراث اللا مادي على إنجازات اليونسكو في مصر في الأعوام الثلاثة الأخيرة لتشمل تسجيل لعبة “التحطيب” التي تتركز في صعيد مصر في محافظات سوهاج وأسوان والأقصر وقنا، وجرى ضمها في قائمة التراث غير المادى باليونسكو قبل عامين خلال اجتماع اللجنة الحكومية الدولية لليونسكو في أديس أبابا، كما نجحت مصر في تسجيل ملف السيرة الهلالية، عام ٢٠٠٨، بمنظمة اليونسكو، حيث يضم الصعيد تراثاً غنائياً متفرداً وأصيلاً، يتمثل في السيرة الهلالية (سيرة بني هلال)، وامتدت أحداثها من نجد إلى تونس مروراً بالصعيد، ورغم مرور قرون على وقائع هذه السيرة، فإن الذاكرة الشعبية لأهل الصعيد أصرّت على إحيائها والتغني بها، فيما يعرف لدى أهل الصعيد بـ”فن الواو” وكان هناك الكثير من الصعايدة يحفظون السيرة ويؤدونها بصحبة عازف للربابة وفرقة من ضاربي الدربكة والدف والرق.
ولم يتوقف مشروع جمع التراث اللامادي في مصر عند هذا الحد، يقول ياسين إن هناك الكثير من الصناعات التي تعد شعبية بامتياز مثل الحفر على الزجاج والنحاس والصدف وتشكيل المعادن وصناعة الفانوس قبل أن نبدأ في استيراده من الصين وكانت الأسواق حافلة بأنواع مختلفة ولها عمقها وجذروها في المجتمع منذ عشرات السنين فضلا عن صناعة الكليم اليدوي كما أن هناك قرية تسمى الفخارين فى منطقة الفسطاط بمصر القديمة، وتعد أقدم مكان لصناعة الفخار فى مصر منذ دخول عمرو بن العاص مصر.
الأسطورة الشعبية حضرت بقوة كذلك فقد جاء “الزار” ضمن التراث اللامادي واحتفت به الكثير من الأعمال السينمائية وبدأ كمعتقد ديني لطرد الأرواح الشريرة بهدف تخليص النفس البشرية من الشياطين قبل أن يتحول إلى أشكال الدجل والشعوذة وفي بعض محافظات الصعيد يعتقد البعض أنه علاج نفسي ومن ضمن أدواته الطبول والمزمار والصاجات والطنبورة.

وتقدم مركز التراث العربى بباريس، بطلب رسمي لإضافة طبق الكشرى المصرى، فى قائمة للتراث اللامادى، لأنه الطبق الأشهر الذى تنفرد به المائدة المصرية، ويعد من الأمور التي تعبر عن الهوية المصرية ودعا المركز دعم الحكومة المصرية بكل مؤسساتها لدعم هذا الملف.
كما تقدمت الحكومة بملف الأراجوز وخيال الظل لإضافته إلى قائمة التراث اللا مادى للعام الحالي كما تقوم بإعداد ملف مشترك مع عدد 14 دولة عربية، عن الثقافات المرتبطة بالنخلة، وتم تنظيم بعض ورش العمل وتقديم بعض المتقرحات من الدول بشأن ذك الملف.

ومن بين الحرف التي تعد مهملة ومنسية كذلك “السقا” الذي كان مسئولا عن توصيل المياه من الخزانات إلى المنازل والمساجد حيث يحمل قرب الماء أو البراميل على عربات “الكارو”، كما حظيت مهنة مبيض النحاس بأهمية كبيرة، وكانت تدر ربحًا كبيرًا على صاحبها، الذي كان له يوم محدد يمر فيه على القرية، ويتجمع الأهالي محضرين معهم أوانيهم النحاسية، ويقوم مبيّض النحاس باستعمال أدواته، فكان يحضر كمية من الرماد الأحمر، وماء النار، ليضعهما داخل الأواني النحاسية، ويضع طبقة كبيرة من الخيش ويقوم بالوقوف داخلها، ويحركه بقدميه بحركة دائرية منتظمة مرددًا بعض الأغاني والمواويل، إلى أن يلمع النحاس وتزول من فوقه الطبقة الخضراء، وإلى جانب ذلك هناك صانع القباقيب والسلال التي تصنع من الخوص وجريد النخيل، وإلى جانب ذلك هناك الملابس الشعبية مثل الملاية اللف واليشمك والطربوش والبيشة وكلها من التراث الشعبى المصرى، الذى اختفى منذ قرابة نصف قرن، فضلا عن الأمثال الشعبية المصرية ولها مكانتها في العقل المصري خصوصًا وأن معظمها مرتبط بأحداث تاريخية فعلا، وهناك صندوق الدنيا والمحكواتي وفن العزف على الربابة الذي يعتبر موروثا شعبيا قديما شارف على الاندثار، وهو من الفنون القديمة عند سكان البادية، حيث كانوا يستخدمونها في احتفالاتهم ومناسباتهم الاجتماعية والأعياد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: