
من توفيق الله عليَّ أن كان ثلاثة من أعضاء هيئة التدريس في قسم الإحصاء بجامعة الملك عبد العزيز ممن تتلمذت على أيديهم، وهم الأستاذ الدكتور “سمير عاشور”، والأستاذ الدكتور “جلال الصياد” والأستاذ الدكتور “محمد سميع الدين”، جميعهم تخرجوا بدرجة الدكتوراة في جامعة ويلز، في ستينيات القرن الماضي تحت إشراف عالم القرن وأستاذ الإحصاء اللامعلمي البرفيسور “ديفيد لندلي”.
كان لهؤلاء الرجال الفضل بعد فضل الله في تسهيل قبولي لبرنامج الدكتوراة في الإحصاء التطبيقي بقسم الرياضيات والإحصاء في كلية العلوم بجامعة ويلز. زودني كلٌّ منهم بتوصية حملت الكثير من العبارات التي تُشعر الطالب بالفخر والاعتزاز، فقمت بتسليمها لزميلتهم في فترة الدراسة البروفيسورة “سيلفيا لوتكنز” أستاذة الإحصاء التطبيقي في الكلية؛ فقامت بإنهاء قبولي في القسم تحت إشرافها.
أذكر أن الدكتور سمير عاشور زوَّدني بهاتف وعنوان أحد زملائه المصريين، ويُدعى “سامي شهوان” حصل على الجنسية البريطانية، ويمتلك متجرًا للإلكترونيات وعددًا من الشقق السكنية يقوم بتأجيرها للطلاب الأجانب.
عند لقائي به أبديت له رغبتي في شراء مركبة، فاصطحبني لأحد أصدقائه يعمل في بيع وشراء المركبات، وكانت الزيارة للتعرف على أسعار وأنواع المركبات المتوفرة على أن أعود بعد استشارة الأهل.
في اليوم التالي بعد أن اتفقت مع الأهل على نوع المركبة المفضلة، ذهبت للمعرض بصحبة صاحبة المنزل وزوجتي لإنهاء عملية الشراء، وقد وقع الاختيار على مركبة إنجليزية من نوع “فيستا”، صغيرة الحجم ذات الثلاثة أبواب، بقيمة تساوي خمسة آلاف جنيه استرليني، وهو مبلغ كبير في تلك الفترة.
أثناء النقاش حول السعر، حدث أن تكلمت مع البائع بوجود صاحبة المنزل، وإذا به يبتسم على خطأ لغوي وأنا أتحدث معه؛ لأن اللكنة الإنجليزية لدى سكان ويلز تختلف عن بقية مناطق بريطانيا، أدى ذلك لقيام صاحبة المنزل بنهره، وذكرت له أن هذا الرجل يتكلم لغة غير لغته، ويمكن أن يُخطئ ولكن هل تستطيع أن تتحدث لغته ولو بالخطأ، عندها قدَّم البائع اعتذاره، وقام بإجراء خصم قدره 5% من السعر ليصبح السعر بعد التخفيض 4750 جنيهًا استرلينيًا، بعد قدوم مولودنا الثالث “معتز” استبدلتها من البائع نفسه بمركبة أكبر من نوع “سيرا”، وتعمدت أن تكون لغتي مكسرة طمعًا في الحصول على تخفيض كما حصل في المرة السابقة، إلا أنه عرف قصدي وتبادلنا الضحكات.
أذكر أن صاحبة المنزل ساعدتني في معرفة الضوابط والتعليمات المرورية وفقًا للنظام البريطاني للقيادة؛ لأن تصميم المركبات يختلف عنه في المملكة، فمقود السائق في يمين المركبة بينما السير في الطرقات بالجهة اليسرى، فكانت تصطحبني بمركبتها في جولة في المدينة، وتقوم بشرح طريقة القيادة وكيفية الوقوف، وخطوط الطريق وغيرها، وقامت بتزويدي ببعض المطبوعات التي تصدرها الأجهزة المختصة بالطرق والمرور، كانت بديلًا لي من الدخول لمدرسة تعلم القيادة.
من النادر أن يقوم طالب بشراء مركبة جديدة، بعد انتهاء عملية الشراء، أذكر أن صاحبة المنزل قالت لي من باب المُداعبة: “لقد قمت بتخفيض قيمة السكن ظنًا مني أن أحوالك المادية محدودة”.
كل الصعاب التي واجهتني خلال فترة الارتحال لطلب العلم؛ كنت أجد من يُساعدني في التغلب عليها، بفضل الله أولًا ثم بدعاء والدتي الحبيبة-أطال الله عمرها في صحة وعافية- عند مغادرتي مكة بغرض الدراسة، عندما قالت: “الله يجعل لك في كل طريق رفيق”، استجاب الله لدعائها.. وقد كان.



