لم تكن حضرموت يومًا أرضًا بلا هوية، أو إقليمًا قابلًا للمصادرة، بل كانت كيانًا تاريخيًا متماسكًا، له خصوصيته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وجذوره الضاربة في عمق الجزيرة العربية. غير أن هذا الكيان ظل، عبر عقود طويلة، ضحية مشاريع سياسية لم تنظر إليه كشريك، بل كغنيمة، وكأرض صالحة للإلحاق القسري متى ما تغيّرت موازين القوة.
ففي زمن الاحتلال البريطاني لجنوب اليمن، وعلى الرغم من طبيعته الاستعمارية، احتفظت حضرموت بقدر من الإدارة المحلية والاستقلال الاجتماعي. لكن المفارقة الصادمة أن ما تلا خروج البريطانيين لم يكن تحررًا لحضرموت، بل بداية أكثر مراحل القمع قسوة؛ إذ جرى ضمّها قسرًا إلى ما سُمّي بـ«جمهورية اليمن الجنوبية»، ثم «جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية»، دون استفتاء أو قبول شعبي، ودون أي اعتبار لإرادة أبنائها.
ومع سيطرة الحزب الاشتراكي، انتقلت حضرموت من احتلال أجنبي إلى احتلال أيديولوجي شمولي، صادر الأرض والقرار، وخنق الاقتصاد، وكتم أنفاس المجتمع، وألغى التعدد، وفرض نموذجًا سياسيًا معاديًا لطبيعة الإنسان الحضرمي المنفتح والمتسامح. ولم يكن غريبًا أن تُسجَّل تلك المرحلة في الذاكرة الجمعية بوصفها أكثر قسوة حتى من زمن الاحتلال البريطاني نفسه.
ثم جاءت وحدة 1990، التي قُدّمت كشراكة وطنية، لكنها تحولت سريعًا إلى غطاء لهيمنة مركزية جديدة. لم تُعامل حضرموت كشريك، بل كمورد يُنهب، ونفوذ تُقتسمه نخب لا تمتّ إلى حضرموت بصلة، فازدادت القطيعة بين الأرض وأهل القرار، وتكرّس الإقصاء بثوب وحدوي.
وإذا كانت حضرموت قد تنقلت من تبعية قسرية إلى أخرى، فإن السؤال الذي لم يعد يقبل التأجيل هو: لماذا يُحرَّم على أبناء حضرموت حق تقرير مصيرهم؟ ولماذا يُستباح هذا الإقليم باسم الوحدة مرة، وباسم الجنوب مرة أخرى؟ فحضرموت، إن اختارت الاستقلال، تملك كل مقومات الدولة القابلة للحياة، وإن اختارت الارتباط، فإن هذا الارتباط لا يمكن أن يكون تكرارًا لتجارب فاشلة، أو خضوعًا لمراكز قوة طارئة، بل يجب أن يُبنى على إرادة أبنائها الحرة، مع حقهم الكامل في النظر إلى البعد الثقافي والتاريخي والجغرافي، والبعد العقدي المذهبي، والامتداد القبلي والاجتماعي الذي يحكم هويتهم ووعيهم الجمعي. وهي اعتبارات لم تكن يومًا هامشية في تاريخ حضرموت، بل شكّلت بوصلتها الطبيعية في علاقاتها وانتماءاتها، وتتقاطع بصورة أعمق وأكثر انسجامًا مع محيطها في الجزيرة العربية من أي أنظمة فُرضت عليها بالقوة أو أُلحقت بها قسرًا تحت مسميات سياسية متغيرة.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى المجلس الانتقالي الجنوبي إلا بوصفه مشروع هيمنة مسلحًا لا يمت بصلة إلى مفهوم الدولة أو الشراكة السياسية، بل يقوم جوهره على مصادرة القرار المحلي وفرض الأمر الواقع بالقوة. فمحاولاته التمدد نحو حضرموت، وتحديدًا واديها، تحت ذرائع «نشر الأمن» و«مكافحة التهريب»، ليست سوى ادعاءات زائفة ثبت سقوطها في الميدان، حيث تحولت مناطق نفوذه إلى مساحات مفتوحة للسلاح، ومسرح لصراعات داخلية، وانهيار أمني وخدمي غير مسبوق. وإذا كان المجلس قد عجز، بل فشل فشلًا ذريعًا، في ضبط الأوضاع حيث يسيطر منذ سنوات، فإن طرحه نفسه حارسًا لأمن حضرموت لا يُعدو كونه استفزازًا سياسيًا واستخفافًا بعقول أبنائها. إن استدعاء ملف التهريب ليس سوى غطاء سياسي لتبرير التوسع العسكري، ومحاولة مكشوفة لنقل الفوضى إلى إقليم ظلّ، رغم كل الاستهداف، أكثر استقرارًا من غيره.
وفي مقابل هذا المشروع القائم على الفرض والقوة، يبرز الدور السعودي بوصفه النقيض الموضوعي لهذه العقلية، إذ تعاملت المملكة مع حضرموت باعتبارها ركيزة استقرار لا ساحة نفوذ، ومسؤولية أمنية لا غنيمة سياسية. وقد سعت منذ البداية إلى تحييد الإقليم عن صراعات المليشيات، ومنع تحويله إلى ساحة تصفية حسابات، إدراكًا منها أن العبث بأمن حضرموت لا يهدد أهلها فحسب، بل يفتح ثغرة خطيرة في أمن اليمن والجزيرة العربية برمتها. غير أن هذا النهج المتزن، القائم على ضبط النفس وتغليب الحكمة، لا ينبغي أن يُساء فهمه على أنه قبول ضمني بمشاريع الفوضى أو تفويض لمراهقات سياسية تتستر بشعارات الأمن، بل هو موقف مسؤول يمنح الفرصة الأخيرة لتحكيم العقل واحترام خصوصية حضرموت وإرادة أبنائها، قبل أن يتحول فرض الأمر الواقع إلى عبء إقليمي لا يمكن السكوت عنه أو التعايش معه




