المقالات

القشة التي قصمت ظهر البعير

غالبًا ما تولد الأمثال الخالدة من رحم المعاناة، حين تتراكم الوقائع وتتقاطع الأحداث على نحو يجعل تجاهلها ضربًا من التغافل. وفي السياق الإقليمي الراهن، تبدو بعض التطورات المتسارعة مترابطة بخيوط دقيقة، لا يلتقط دلالاتها إلا من ينظر إليها بعين التحليل لا بعاطفة الانفعال.

فما بين اعتراف الكيان الصهيوني بجزء من الصومال، وزيارات سياسية معلنة، وتصاعد التوترات في بعض المحافظات اليمنية، تبرز تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا التزامن، وما إذا كان يعكس تحولات أعمق في خرائط النفوذ والتأثير في المنطقة. وهي تساؤلات تستدعي قراءة هادئة، تضع الأحداث تحت مجهر التحليل لفهم ارتداداتها المحتملة على الأمن الإقليمي، حاضرًا ومستقبلًا.

وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال ما تشهده محافظتا حضرموت والمهرة من توترات سياسية وأمنية، وما يرافقها من مخاوف تتعلق بتهميش الحكومة الشرعية اليمنية وإضعاف حضورها، بما قد يفتح الباب أمام واقع سياسي جديد لا يخدم استقرار اليمن ولا المنطقة ككل. كما أن تعدد الفاعلين وتداخل الأجندات الإقليمية يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل من الضروري التعامل معه بحساسية سياسية عالية.

وتكمن خطورة هذه التطورات في احتمال انعكاسها على أمن المنطقة، بما في ذلك أمن المملكة العربية السعودية، في حال استمرت حالة الاستقطاب وغياب التنسيق الواضح مع الحكومة الشرعية، وهو ما قد يضع الشرعية اليمنية بين ضغوط التهميش من جهة، ومخاطر فرض وقائع جديدة على الأرض من جهة أخرى.

كما أن تجارب الإقليم خلال السنوات الماضية أثبتت أن السياسات المتسرعة، والتدخلات غير المحسوبة، غالبًا ما تفضي إلى تعقيد الأزمات بدل حلّها، سواء في اليمن أو في دول عربية أخرى عانت من صراعات داخلية وتدخلات خارجية أضعفت الدولة الوطنية وأرهقت المجتمعات.

ومن هنا، فإن الموقف الأخير الصادر عن القيادة اليمنية، والمتعلق بإعادة النظر في بعض الاتفاقيات الأمنية، ومنها الإمارات، يمكن قراءته بوصفه رسالة سياسية تعكس حجم القلق من المسار الحالي، وتنبه إلى ضرورة مراجعة السياسات القائمة قبل الوصول إلى نقطة يصعب معها التراجع.

ولا شك أن قضية الجنوب اليمني تظل قضية سياسية معقدة، تتطلب معالجة متأنية ضمن إطار وطني جامع، وفي توقيت مناسب، يراعي استعادة الدولة اليمنية لعافيتها، وبسط سيادتها، وبناء مؤسساتها، قبل الخوض في أي خيارات مصيرية، ينبغي أن تُترك في نهاية المطاف لإرادة الشعب عبر آليات قانونية واضحة.

إن ما تشهده الساحة اليوم يؤكد أن المنطقة لا تحتمل مزيدًا من التصعيد أو المغامرات السياسية، وأن الحكمة تقتضي تغليب منطق الدولة، واحترام الشرعية، وتفادي السياسات التي قد تفتح أبوابًا جديدة للأزمات.

“العقول البسيطة تصف كل ما هو مألوف بأنه عادي”
ويصدق المثل العربي:
لكل داء دواء يُستطب به،
إلا الحماقة أعيت من يداويها.

أ.د. غازي غزاي العارضي

استاذ الدعوة والثقافة بجامعة الاسلامية وجامعة طيبة سابقا

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى