المقالاتعام

ربما صحت الأجساد بالعلل

عادةً ما تختزل الأمثال تراكماتٍ من الخبرة وكنوزًا من الحكمة، يختصرها البلغاء والحكماء في عبارات بليغة مختصرة، تتوارثها الأجيال من بعدهم، ويكتب الله عز وجل لها الخلود. بيد أن البراعة تتمظهر في تنزيل المثل البليغ على توصيف الحدث المتجدد وتكييفه، واستخلاص العِبر والدروس من بين تضاعيفه.

ولا يزال الجميع في الوسط الخليجي والعربي يتابع بصدمة ذوي القربى والجوار وخيانتهم وطعنتهم في الظهر، مما حصل من هجوم دراماتيكي على حضرموت والمهرة من قبل المجلس الجنوبي الانتقالي وأشياعه ومموليه ومنظريه؛ فآفاق الجميع مذهولة على وقع تلك الصدمة المجلجلة. وحاولت السعودية رأب الصدع بالحسنى وإعادة المياه إلى مجاريها دون جدوى، بيد أن الجسد اليمني ما زال منذ تدخل بعض الأطراف الخليجية ضحية للتلاعب به وتوجيهه نحو الخصومات والمكائد المتكلفة والمصطنعة.

وبدت تباشير الانفراج السياسي والأمني تعود (بفضل الله)، حيث كان الفضل لله عز وجل ثم للتدخل الجراحي العسكري لدرع الوطن، بعد حالة من الغموض والتشرذم والتباين الشديد التي افتعلها المجلس الانتقالي وممولوه ومنظروه بالسيطرة على حضرموت والمهرة، وافتعال الخصومة مع الحكومة الشرعية والمعترف بها دوليًا منذ زمن ليس بالقصير وتعطيل برامجها.

حيث بُنيت أربعة جيوش تتباين عقيدتها العسكرية مع الدولة اليمنية المركزية في أهدافها، وتتناقض في مقاصدها، وتغرد خارجًا عن سربها. وكان الأمل معقودًا أن تتداعى بعض الأطراف الممولة والمنظرة للمجلس الانتقالي إلى السلم وإنهاء حالة التشرذم، وتجنح إلى الإصلاح، بيد أن الخطر في جوف الرؤى الخادعة والمراوغة، إذ كان المستهدف أمن المملكة وإدخال الكيان الصهيوني ضمن المشهد اليمني بعد أن حط رحاله في أرض الصومال.

فكان التدخل الجراحي السعودي ضروريًا وشموليًا لاستئصال هذا الورم السرطاني الخطير قبل استفحاله، والذي انتهى ـ بحمد الله ـ بأقل التكاليف، وإعادة حضرموت والمهرة إلى الجسد اليمني الجنوبي في وقت يسير. واقترن ذلك بدعوة الأطراف اليمنية إلى التداعي للاجتماع بالرياض، وعقد مؤتمر جامع للفرقاء جميعًا بطلب من الرئيس اليمني رشاد العليمي.

والمؤمَّل أن يخرج المؤتمر بقرارات توافقية يتم بها تدارك الأخطاء السابقة وبث روح الوحدة والتناغم في الجسد اليمني من جديد بالعدل والمساواة، وتفهم واستيعاب تطلعات جميع الأطراف في اليمن بتوازن واعتدال.

وتتطلع أنظار العرب اليوم من الخليج إلى المحيط ـ بعد الله عز وجل ـ إلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان (حفظه الله) لرأب الصدع ولمّ الشمل وإعادة الأمور إلى نصابها في كل من السودان وليبيا والصومال، إثر النجاح الباهر لجهوده الخيّرة في اليمن الجنوبي، بانتشال تلك البلدان العربية المسلمة البريئة من الأوضاع المأساوية والكارثية التي آلت إليها دون مبرر، وذلك بإيقاف شلال دماء تلك الشعوب العربية المعصومة.

ولدى السعودية خبرة عميقة وواسعة ومكتنزة، ونزاهة مطلقة في الجمع بين الخصوم وتفكيك شبكة الخلافات المستعصية، بما تتميز به من الوعي والحيادية والنزاهة وبُعد النظر والقدرة على الإنجاز الكبير في توجيه بوصلة الأحداث المستعصية نحو السلم والسلام والأمن والأمان.

وبدا حقًا أنه يصح تنزيل المثل العربي «ربما صحت الأجساد بالعلل» على الجسد العربي السياسي الذي أنهكته الفتن والحروب المفتعلة والمتكلفة، وبدا صدى المثل العربي الآنف الذكر يتحقق على أرض الواقع في عدة محاور لم تكن بالحسبان بعد أن عالجها المشرط السعودي الحاذق.

ومن ذلك: إيقاف المشروع الكارثي لليمن الجنوبي، وإعادة الاعتبار للشرعية اليمنية بعد تهميشها من أجل تدمير الأمن والاستقرار بالمنطقة برمتها وإيقاعها ضحية المشروع الصهيوني القاتل المسموم. وبدت بروق الفجر الصادق الجديد تسطع من جديد على أرض ليبيا والسودان والصومال، وإنهاء معاناة تلك البلدان العربية الآمنة التي عبثت بها الأيدي الإجرامية.

كما كشفت الأزمة لنا الأقلام المغشوشة والحناجر المخادعة من حملة الشنطة وتليفون العملة، التي تريد أن تأكل على اللحيين، والتي كشفت أحداث اليمن القناع عن ممالأتهم وتطبيلهم ودفاعهم المستميت عن المشروع الصهيوني، ولا يزالون كذلك حتى الآن.

لِلهِ دَرُّ محمدٍ وعطائهِ
أنعِمْ به في الخافقين إمامُ

ابنٌ لسلمان العروبة مكسبٌ
من آل مقرن منصبٌ وحُسامُ

نادَتْ به يمنٌ فطاب عطاؤهُ
سِلْمٌ يُرَفْرِفُ والسلامُ خِطامُ

لم يألُ جهدًا للجوار مؤيدًا
بحسامِ حقٍّ بالوفاءِ ذِمامُ

فتطهَّرتْ عدنٌ وزان نقاؤها
والكلُّ في اليمن السعيد كِرامُ

أ.د. غازي غزاي العارضي

استاذ الدعوة والثقافة بجامعة الاسلامية وجامعة طيبة سابقا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى